أولى

حتميّة التوجّه شرقاً لإنقاذ لبنان والإقليم…

 د. جمال زهران*

 

لا شك في أن لبنان، يعيش أزمة مركبة، ويشهد صراعاً سياسياً حاداً، والذي أضحى يدور بين فريقين كبيرين، وما بينهما صغائر لا قيمة لها. فقد أصبح هناك طرفان كبيران يتنازعان كيفية حكم لبنان، وكيفية توزيع عائد إدارة الحكم. فالسؤال: لمن الغلبة؟ ومن يمتلك أوراق الضغط الفعالة لتحقيق الأهداف التي تتطلع إليها الأطراف المتصارعة؟ فهناك الطرف الذي يلعب لحسابه ولحساب المشروع الأميركي الصهيوني، ولحساب التوجهات الرأسمالية المتوحشة وقوى الفساد المركب، في مقابل الطرف الذي يسعى لاستثمار حقيقي وجاد للثورة الشعبية في لبنان في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، من أجل إعادة توجهات السلطة وإعادة ترتيب الأولويات وإعادة رسم التوجهات في إدارة العلاقات الخارجية، بما يحقق أهداف الثورة الشعبية، التي لا زالت في المرحلة الانتقالية، ولم يتمخض عنها سوى إسقاط تيار «الحريرية»، تمهيداً لتغيير حقيقي مقبل ولكنه يتأرجح بين قوى الشدّ والجذب في الواقع العملي. فلم يعد هناك أمل من وراء استمرار الرأسمالية المتوحشة وحكم المصرف والبنك الدولي والصندوق، وقوى الفساد المركب المحمي من رموز رسمية في الحكم. وهذا هو جزء من صراع في الإقليم، وجزء من صراع دولي الآن، بين التوجهات الرأسمالية المتوحشة التي ثبت فشلها، والتوجهات الاجتماعية التي هي في الأصل اشتراكية، التي تسعى إلى إعادة هيكلة نفسها في ظل واقع متغير في السنوات العشر الأخيرة.

وقد صاحب محاولة الاتجاه الرأسمالي المتوحش، دعم أميركي وصهيوني بكل السبل، إلى حد استخدام آليتين للكشف عن القوى الداعمة بشكل صريح، الأولى هي: قيام رموز هذا الاتجاه بدعم قوى البلطجة التي تتظاهر على أنها تحركات شعبية، وتدعم قطع الطرق والاشتباك مع قوات الأمن والجيش والاعتداء على الممتلكات الخاصة لتشويه صورة الثورة الشعبية في وجدان الشعب، وكأن هذه الممارسات العنيفة هي من الثورة، والثورة منها براء. والثانية هي قيام السفيرة الأميركية (دوروثي شيا)، بتحرّكات واسعة والتدخل السافر في الشأن الداخلي، والتواصل مع القوى السياسية الرأسمالية، سعياً نحو إظهار تبعية هؤلاء لأميركا، وأنها مظلتهم، وغطاؤهم الحمائي!! وفضلاً عن ذلك بطبيعة الحال، تلك المحادثات الجارية بين الحكومة وبين البنك الدولي والصندوق، والتي هدفها إجبار لبنان على الاستمرار في نهج السياسات الاقتصادية وتحالفاتها الغربية الصهيونية، والإصرار على تفكيك سلاح المقاومة، وتأليب الشعب عليها، لإخراجها من المعادلة في الصراع العربي الصهيوني!

وأنه من نتيجة ذلك، هو إجبار دولة لبنان وشعبها، على أن تظل في مربع التبعية وانعدام فكرة الاستقلال الوطني، وجعل لبنان في حالة الاستقطاب بين أغنياء بلا حدود، وبدون معرفة الأسباب، وبين فقراء وهم الأغلبية الكاسحة، لتظل لبنان في طحين الفقر والجوع والمرض إلى الأبد وبلا نهاية!!

وفي هذا السياق، فإنه من الأهمية الإشارة إلى أثرين هامين لأزمة «الوباء الكوروني»، وكانت لهما الأولوية والاعتبار للخروج من هذه الأزمة، وهما: «حتمية الاستقلال الوطني، والاعتماد على الذات».

فقد أثبتت أزمة كورونا، وما تمخض عنها من توقف حركة الطيران والتجارة، وانهيار الاقتصادات العالمية المختلفة بشكل جزئي وبشكل كلي وإجمالي، أن كل دولة أصبحت مطالبة بتوفير الاحتياجات الأساسية التي لا غنى عنها وتمثل الحاجيات الدنيا لمعيشة الشعوب واستمرارها في الحياة، بما يعني حتمية الاعتماد على الذات، وضرورة مراجعة فكرة الاندماج في السوق العالمية، وتقسيم العمل، بما يعني إعادة الحياة إلى فكرة «الاستقلال الوطني» التي كادت أن تندثر مع روح فكرة الاستقلال التي سادت في الخمسينيات والستينيات بعد الحرب العالمية الثانية.

ولعل لبنان ليس استثناءً مما صاحب أزمة كورونا، حيث كانت من أولى الدول التي أغلقت البلاد، وواجهت الأزمة بوضوح، وكانت النتيجة نجاح الحكومة برئاسة د. حسان دياب، في إدارة الأزمة وتقليل الخسائر التي لم تتجاوز أعداد الإصابات (2000) حالة إلا قليلاً، والوفيات (35) حالة. ولكن صاحب ذلك رغم النجاح، محاولات إغراق لبنان في مشكلة توفير الاحتياجات الأساسية، وإغراق العملة الوطنية مقارنة بالدولار!!، والاستيراد والتصدير، وعجز الموازنة، والتدخلات السافرة للسفيرة الأميركية الوقحة، التي تمّ ردعها بالقضاء اللبناني الشريف، ومشكلة الأسعار المتزايدة للسلع مع انهيار العملة بما يعادل (6) أمثالها مقارنة بما كان سائداً قبل تشرين 2019. ومن ثم ظهر الصراع في لبنان، ودخل حزب الله ووزراؤه على الخط، محاولين الضغط للأخذ بتوجهات حتمية لإنقاذ لبنان، وإخراج حكاية سلاح المقاومة من معادلة الصراع، وإفشال هذا المخطط، وفشل مؤكداً، وذلك بالتوجه شرقاً (سوريةالعراقإيرانالصين)، في إطار إعادة هيكلة التوجهات السياسية للدولة اللبنانية، تأكيد أن حكومة دياب هي التجسيد الحقيقي لثورة تشرين، وأن حزب الله وممثليه وأنصاره، هم الداعم الحقيقي لهذه الثورة، بعيداً عن غوغائية العملاء الذين يدينون بالولاء لأميركا والصهيونية. وكذلك بتطوير شامل للقاعدة الزراعية والصناعية المحلية. ولذلك كان خطاب السيد نصر الله الأخير في هذا السياق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والأمين العام المساعد للتجمع العربي الإسلامي لدعم خيار المقاومة، ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق