أولى

نصر تموز 2006
تحوّل استراتيجيّ كبير وتداعيات مستمرّة

 

العميد د. أمين محمد حطيط*

 

يجد الباحث في حرب تموز 2006 والنصر الذي صنعته المقاومة في لبنان نفسه اليوم وبعد 14 عاماً أمام حدث تاريخي يتمادى في مفاعيله في الزمن ويستمرّ بإنتاج التداعيات على أكثر من صعيد استراتيجي وعملاني وفي أكثر من اتجاه سواء في ذلك على صعيد الطرف المنتصر او الجهة المهزومة او على الصعيد الإقليمي والدولي بشكل عام، يحدث كلّ ذلك لأنّ نصر 2006 جاء من طبيعة استراتيجية وعسكرية خاصة أقل ما فيها وصفها بأنها فعل تغيير لمسار وعمل تأسيسي لمنظومة تختلف في خصائصها وتأثيرها في الإقليم عن كلّ ما شهدته المنطقة منذ قرن من الزمن، وبدقة اكثر منذ الحرب العالمية الأولى، تلك الحرب التي أحدثت زلزالاً ضرب المنطقة العربية فأخرجها من يد الدولة العثمانية البائدة ليضعها أولاً تحت سيطرة أوروبية محكمة، ثم ينقلها في مرحلة لاحقة الى سيطرة غربية أميركية فعلية مقنّعة بقناع الاستقلال الشكلي لمعظم الدول سواء انتحلت صفة الجمهورية او المملكة او الإمارة والمشيخة.

لقد حدّدت أميركا هدف حرب تموز بصراحة لا بل بكل وقاحة بعبارة جاءت على لسان وزيرة خارجيتها قالت فيها إنها «مخاض لولادة شرق أوسط جديد» تقيمه أميركا بالفوضى الخلاقة من دون أن يكون فيه معترض او ممانع او مقاوم لسيطرتها او بصورة أدق إنها حرب لمعالجة ظاهرة الممانعة والمقاومة فيه، وأكدت أميركا بذلك انّ حرب تموز ليست حرباً بين «إسرائيل» وحزب الله فحسب، بل هي استمرار لحرب تشنّها على المنطقة قوى دولية بقيادة أميركا تعمل لفرض مشروعها الاستعماري وبسرعة تحققها وسيلة مضمونة النتائج هي القوة العسكرية التي تعتمد استراتيجية القوة الصلبة والتي ترى اميركا أنها تملك التفوق فيها من دون منازع وأنها قادرة عبرها لفرض ما تشاء من دون أن تتوقف عند سيادة وطنية او قواعد قانونية او شرعية دولية.

نعم كانت حرب تموز الحلقة التي تعوّل عليها اميركا بان تكون الحلقة الحاسمة من سلسلة الحروب التي تنفذها من أجل إزالة أي عقبة تعترض مشروعها في إقامة الأحادية القطبية في العالم، حروب افتتحتها أميركا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وكانت البداية مع حرب عاصفة الصحراء في العام 1991 التي أدّت إلى انتشار عسكري أطلسي في الخليج ما احكم السيطرة كلياً على آبار النفط ومعظم الاحتياط الاستراتيجي العالمي منه، ثم كانت حرب غزو أفغانستان في العام 2001 وتموضع الحلف الأطلسي في جوار الصين وروسيا والسيطرة على أهم وأخطر المناطق استراتيجياً بما في ذلك التحكم بطريق الحرير الذي تحلم الصين بأحيائها، ثم كان غزو العراق واحتلاله في العام 2003 من قبل اميركا لتمنع أيّ اتصال جغرافي بين مكوّنات محور المقاومة إيران وسورية والمقاومة في لبنان وفلسطين.

هدفت حرب تموز 2006 ببساطة كلية الى كسر رأس الرمح المقاوم المتمثل بحزب الله في لبنان، تمهيداً لتفكيك محور المقاومة الذي كان يشكل المجموعة الدوليّة شبه الوحيدة التي بقيت تقول لا للعدوان الصهيوأميركي وترفض الانصياع للشروط الأميركية التي قدّمت لسورية في العام 2003 ورفضها الرئيس بشار الأسد. كانت أميركا تريد أن تتخلص كلياً من أي جهة او مكون او دولة تمارس ممانعة او تحفظاً او مقاومة لسياستها. ولهذا كانت الحرب التي استمرت على مدى 33 يوماً. بيد انه ظهر لـ «إسرائيل» في الأيام العشرة الأولى منها انها لا تملك عناصر النجاح واستشعرت بأن حزب الله سيمنعها من النصر الذي تريد وأنه أعدّ لها سلسلة من المفاجآت العملانية والنفسية والاستراتيجية حرمتها من الركون الى تاريخها العسكري القائم عل مقولة إنها تملك «الجيش الذي لا يُقهر«.

لقد فاجأ حزب الله «إسرائيل» في الميدان بدءاً بالقتال البرّي والمواجهة المباشرة، ففي حين كانت تظن أن الطيران الحاسم سيدمّر ويسحق ثم تدخل المدرعات والمشاة لتكنس وتحتل، وجدت رجال حزب الله يتقون القصف حين وقوعه ويثبتون في الأرض بانتظار سحق قوى العدو عند ملاقاته، وكان نموذج مارون الراس الاختباري ما حفر في العقل الإسرائيلي العسكري وأرعبه ولا زال، ثم كانت معركة بنت جبيل وما لمسه العدو من تكتيك المقاومة القائم على «المراوغة في الميدان» بدل الانسحاب والهرب الذي كانت تريده.

كما فاجأ حزب الله «إسرائيل» بالقوة النارية التي يملكها وأسقط مقولة الحرب على أرض الخصم وفاجأها بانضباط النار الذي مارسه، حيث التزم الحزب تنفيذ قصف متدرج فعال خاضع لتقنين ذكي يمكنه من الاستمرار في الأداء الناري المؤثر حتى اللحظة الأخيرة وكان أمر إطلاق النار عبر الشاشة الأمر الذي وجهه السيد حسن نصرالله للمقاومين لإحراق البارجة ساعر مقابل شواطئ بيروت كان له أثر زلزالي على العدو في اكثر من بُعد واتجاه، كما كانت مقولة القصف الى حيفا وما بعد حيفا وما بعد بعد حيفا مقولة نزلت كالصاعقة على رأس القيادة الإسرائيلية واقتلعت من الصدور المعنويات. أما مجازر دبابات الميركافا في وادي الحجير وسهل الخيام فإنّ أثرها لا زال حتى اليوم يحفر في النفس الإسرائيلية ويعيد إنتاج الألم فيها ويسقط المعنويات ويهدم إرادة القتال، كما جاء في دراسات أخيرة لمراكز بحوث إسرائيلية اكدت عدم جاهزية قوى البر الإسرائيلية معنوياً ومادياً لحرب جديدة مع حزب الله.

أكتفي بهذا القدر العملاني والنفسي لأعود الى الشأن الاستراتيجي، وأقول لمست «إسرائيل» عجزها عن النصر، فأرادت التوقف في اليوم العاشر للحرب لكن اميركا منعتها وحشدت كل من ينصاع لها من اجل ذلك، فامتنع مجلس الامن عن الاجتماع لوقف الحرب وكذلك غابت الجامعة العربية وسكتت أصوات الدول كلها، لأنهم كانوا ينتظرون هزيمة حزب الله التي تأخرت ولم يكونوا يعلمون بأنها لن تقع ولم تقع. بل حصل العكس وهزمت «إسرائيل» والأصحّ هزمت اميركا في حرب استعملت «إسرائيل» لشنّهاوحدث الزلزال الاستراتيجي الذي لا تزال ارتداداته تتردّد حتى اليوم.

 جاء نصر تموز 2006 من طبيعة خاصة، فكان نصراً منتجاً ومولداً انتصارات أخرى، وكان اول نصر من نوعه يسجل على إسرائيل ويفوق بأهميته نصر العام 2000، نصر قلّ مثيله في التاريخ الحديث. واذا كان عبد الناصر قال للعربي «ارفع راسك يا أخي» ليعالج عقدة الدونية لديه، واذا كان أنطون سعاده قال «الحياة وقفة عزّ» ليعالج الخوف والتردّد عند اتخاذ القرار الصعب، فإنّ المقاومة وسيدها أكدا للعربي والمسلم أنه قويّ وقادر إذا أراد، وقالا له «نعم تقدر أن تنتصر»، وأكدا له بأن «زمن الهزائم قد ولّى وحل زمن الانتصارات»، كما أعلن وبكل ثقة السيد حسن نصرالله، وبهذا عالج عقدة الضعف وعدم الثقة بالنفس والتسليم للعدو بالمقدرة.

وبعد ذلك جاءت مجريات الأحداث في المنطقة لتؤكد صوابية ما أرادته المقاومة وصنعته في العام 2006 وها هي سلسلة الانتصارات التي بدأت حلقاتها الأولى في لبنان في العام 2000 و2006، ها هي تستمر وتتوالى في العراق الذي أخرج الاحتلال في العام 2011 وفي سورية التي أسقطت اكبر عدوان كوني على دولة، وفي إيران التي تحدّت أميركا وصفعتها في عين الأسد، وها هو التحول الاستراتيجي الذي فرض على إسرائيل جملة من الأمور ما كانت تتصوّر ان تصل اليها، حيث حرمها من قرار الحرب الحر الطليق، وحرمها من التفوق الذي كانت تدعيه وأسقط مقولة «الجيش الذي لا يُقهر» وفضح البنية الإسرائيلية الواهنة التي ظهرت أنها كبيت العنكبوت وهو أوهن البيوت، وهدم عقيدتها العسكرية في أهم بنودها (الطيران الحاسم، والحرب الخاطفة، والحرب على أرض الخصم)، وفضح عجز استخباراتها العسكرية وهشم هيبتها العسكرية وزرع في الجسم الإسرائيلي فيروس «نقص المناعة المعنويّة»، الفيروس الذي لم تجد «إسرائيل» علاجاً له حتى الآن وبات يفتك بجيشها الى الحدّ الذي يسجل فيه اليوم أكثر من 1200 مريض، كما يعلنون.

أما أميركا فقد خسرت مشروعها، وطوت ملف استراتيجية القوة الصلبة لتتحوّل الى الناعمة (التي لم تجدها نفعاً) وطار حلمها بحسم الوضع في الشرق الأوسط للتفرغ للشرق الأقصى. وها هي سلسلة التراجعات والخوف من الخسائر تستمرّ وليس ما حصل في لبنان في الأسبوع الماضي من تراجع أميركي بعد بوادر الفشل في الحرب الاقتصادية إثر صمود حكومة لبنان ومقاومته وبيئة المقاومة صمود وقوة مكّن لبنان من التلويح بالتوجه شرقاً ما أخاف أميركا والغرب، ليس كلّ ما ذكر إلا نموذجاً من نماذج كثيرة تتوالد بعد أن استعادة الثقة بالنفس والاستشعار بالقوة.

*أستاذ جامعيخبير استراتيجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى