تحقيقات ومناطق

د. رويدة دهام لـ «البناء»: حجم سوق الدواء اللبناني مُتضخِّم بسبب عدم ترشيد استخدام الدواء والصناعة المحلية إذا أُعطيت حقها قادرة على تخفيض الفاتورة الدوائية وتعديل الميزان التجاري

رمزي عبد الخالق

يُنتج لبنان عبر 11 مصنعاً، تعمل وفق المعايير العالميّة لصناعة الدواء، أكثر من 1370 دواء بجودة عالية وأسعار منافسة لمعالجة الأمراض المزمنة كالضغط والسكري والكوليسترول، والربو والالتهاب وغيرها، والأمراض المستعصية كالسرطان، بما فيها أدوية التقنية الحيوية، وكذلك الأمصال.

يبلغ حجم سوق الدواء في لبنان حوالي المليار وتسعماية مليون دولار سنوياً ويُتوقع أن يكون في العام 2023 حسب دراسة شركة الإحصاءات «فيتش» 2.4 مليار دولار.

ورغم أنّ الإنتاج الدوائي اللبناني ذو جودة عالية وسعر منافس، إلا أنّ حصّة صناعة الأدوية المحليّة من حجم السوق هي 7 % فقط، في ظلّ غياب الدعم الرسمي والجادّ للمصانع المحليّة، فالدولة اللبنانية لم تتخذ، حتى يومنا هذا، أية إجراءات فعلية لحماية الإنتاج الدوائي المحلي أسوة بكافة السلع التي تُنتج محلياً، إنْ في إعطاء الأولوية للدواء الوطني في الداخل أسوةً بما تقوم به معظم الدول في الجوار، أو على صعيد الحدّ من المنافسة الأجنبية وتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل مع الدول التي تبيع أدويتها في لبنان.

منذ 8 سنوات بدأت مسيرة شركة «أروان» في تصنيع الدواء في لبنان، وهي الشركة الوحيدة في لبنان التي تُصنِّع، في مصنعها الكائن في جدراالشوف، (Injectable products) أيّ أدوية للحقن في الوريد او العضل، على هيئة أمبولات وڤيالات.

عن شركة «أروان» وعن صناعة الدواء في لبنان كان لـ «البناء» لقاء مع نائب رئيس مجلس الإدارةالمديرة العامة للشركة د. رويدة دهام

تستهلّ د. دهام حديثها بالإشارة إلى «أنّ اختيار لبنان لإنشاء مصنع أروان في أواخر العقد ما قبل الماضي تمّ لعدة أسباب أهمّها وجود مستشفيات وأطباء ذوي سمعة رائدة في المنطقة، وجود جامعات مرموقة تخرّج صيادلة وكيميائيين ومهندسين ممكن توظيفهم في مثل هذا المشروع، وجود لبنان كنقطة تلاقي بين الشرق والغرب مما يسهّل عملية التسويق، ناهيك عن الانتشار اللبناني في دول مثل أفريقيا مما يسهّل أيضاً في عملية التسويق. وبناء عليه، قرّرنا، السيد عبد الرزاق يوسف عبدالله، رئيس الشركة، وهو من الأشقاء العرب من دولة الإمارات العربية المتحدة، وأنا مع مجموعة من الأصدقاء والأطباء قرّرنا إنشاء مصنع أروان في لبنان، والسيد عبد الرزّاق يوسف عبدالله هو من الأسماء المعروفة عربياً في مجال صناعة الدواء. فهو أول من أوصل مصنعاً عربياً للاستحواذ على موافقة الـ FDA  الأميركية من خلال مصنع «جلفار» في الإمارات حيث كان مديره التنفيذي لأكثر من عشرين سنة. وكان الأول كذلك في تصنيع أدوية التقنية الحيوية (Biosimilars) وهي الأدوية التي تتخلق موادها الأولية من الخلايا الحيّة، حيث يتمّ إجراء تعديل وراثي للخلايا لتفرز هذه المواد ومن ثم يتمّ إنتاج أدوية مثل «إنسولين» على سبيل المثال».

وتضيف دهام: «نحن المصنع الأحدث في لبنان لأننا الأصغر عمراً، وقد بدأنا الإنتاج فعلياً في أواخر عام 2012. لدينا الخبرة في تصنيع وتسويق الــ (Biosimilars)، وعندما فكّرنا في إنشاء هذا المصنع لم يكن هدفنا فقط أن نضيف مصنعاً جديداً إلى المصانع الموجودة في العالم العربي، حيث يوجد حوالي 340 مصنعاً للأدوية، يصنّعون في الإجمال أدوية مشابهة، وهي الأدوية الأساسية، ويغطون حوالي 56 في المئة من الحاجة الى الدواء، طبعاً بنسب متفاوتة من بلد إلى آخر. ففي بلد مثل ليبيا الإنتاج المحلي من الأدوية هو صفر في المئة ويعتمد بشكل كامل على الاستيراد، أما سورية مثلاً فقد كانت قبل الأزمة تنتج نحو 85 في المئة من حاجتها. أما في لبنان، فإنّ صناعة الدواء تغطي فقط سبعة في المئة من حاجة السوق المحلي والباقي كله مستورد».

وتتابع: «أردنا أن نبني مصنعاً نموذجياً لتصنيع الــ (Biosimilars) والأدوية الحساسة المنقذة للحياة، وكان أحد أهدافنا تصنيع أدوية لا تزال حكراً على الشركات الأجنبية وتُستورد من الخارج، كخطوة أولى في «الألف ميل» على طريق الاكتفاء الذاتي، لا سيما أنّ الدواء يُعدّ سلعة استراتيجية. وتأهيل مصنع الدواء لتصنيع الأدوية الحساسة يحتاج إلى استثمار كبير ولقد بلغت تكلفة إنشاء مصنع أروان حوالي 55 مليون دولار. نحن فعلياً أنشأنـا ثلاثـة مصانـع، وقمنـا بتفعيـل المصنع الأول لحدّ الآن وهـو «مصنـع أروان واحـد» الـذي ينتـج (Injectable products)، وهيّأنا المصنعين 2 و 3 للتوسعات المستقبلية.

 لدينا حالياً 43 صنفاً دوائياً مسجلاً لدى الدولة اللبنانية من ضمنها أول دواء Biosimilar قمنا بطرحه في السوق لحدّ الآن، وهو دواء يعالج فقر الدم الناتج عن الفشل الكلوي. وقد أثبت دواء أروان فعاليته وسلامته في السوق اللبناني وهناك أكثر من 85 في المئة من المستشفيات في لبنان تستخدم أدويتنا.

تقنيّات عالية ومتميّزة

يعتمـد مصنـع شركـة «أروان» تقنيـات عاليـة ومتميـّزة وفريـدة مـن نوعهـا فـي المنطـقـة فـي طريـقـة التصنيـع، وفـي هـذا السيـاق تشـرح د. دهــام: «نحــن نستخــدم تقنيــات متطوّرة ليسـت مـوجــودة فــي المنطقــة مثـل (Single Use Mixing Tanks)، وذلك لكي نضمن عدم وجود أيّ تداخل في تركيبات الأدوية ما بين الطبخات (Batches)، ورغم أنّ ذلك له كلفة إضافية، إلا أنّه مهمّ جداً في تصنيع الأدوية، لا سيما الحساسة منها.

ومــن الـتـقـنـيــات الأخـرى الـمـوجـودة لـديـنـا عـلامــة (Data Matrix) بحيث يُطبع إسم الدواء وتاريخ الإنتاج وانتهاء الصلاحية بالليزر وبشكل لا يُرى بالعين المجرّدة على كلّ عبوة دواء. هذه التقنية تحمي منتجاتنا من التزوير، وتسهّل تتبّع الدواء ما بعد البيع. وقد صُمّم مصنع أروان حسب ما يسمّى بــ (Quality by Design)، أيّ ضمان الجودة عن طريق التصميم. مصنعنا أوتوماتيكي بشكل كلّي حرصاً على الجودة عن طريق انتفاء الخطأ البشري، أما معدّاتنا فهي أوروبية وأميركية ومن أرقى مصنّعي الماكينات في العالم ولدينا خطّ تعبئة أوتوماتيكي من شركة Bausch & Strobel الألمانية، مع مضخات عالية الدقة وتقنية فحص الوزن قبل التعبئة وبعدها، لمزيد من الأمان والدقة في تعبئة الأحجام الصغيرة كعبوات 1 و 2 ملم».

يستحوذ مصنع أروان على أحدث وأضخم Lyophilizer  في الشرق الأوسط. ويوجد في العالم العربي فقط 3 ماكينات من هذا النوع، والأحدث موجودة في مصنع أروان. وهذه الماكينة تصنع أدوية حساسة عن طريق تقنية «التجفيد» وهناك أدوية كثيرة منقذة للحياة لا تصنّع إلا عبر هذه التقنية، ومن ضمنها الأدوية واللقاحات الـتي سيـتـمّ تـداولـهــا حاليــاً للمـعـالـجـة والـوقــايــة مــن Covid -19.

نطمح لأن نصدّر90% من إنتاجنا

وتقول د. دهام: «عند اكتمال خارطة التصدير لـ «أروان»، سوف نصدّر أكثر من 90 في المئة من منتجاتنا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا الشرقية، ولدى الشركة حالياً شبكة توزيع قوية في هذه الدول». وتضيف: «نبيع في 14 دولة إضافة الى لبنان، عربية وأفريقية وفي دول محيط روسيا، ونحن المصنع الوحيد في لبنان المُسجّل في روسيا، ونسعى إلى رفع عدد دول التصدير ليبلغ آخر العام الحالي 24 دولة.

وكان الإنجاز الأخير لشركة أروان حصول مختبرات الجودة (QC Laboratories) على موافقة منظمة الصحة العالمية ضمن برنامج WHO Prequalification  لتصبح أروان الشركة الوحيدة التي تتبوّأ هذا الإنجاز العظيم في كلّ المنطقة، واضعة لبنان على خارطة الدول الموافق على مختبراتها من الـ WHO. وهذا الإنجاز يؤهّل مختبرات أروان إجراء تحاليل الأدوية وإصدار شهادات حسب مواصفات منظمة الصحة العالمية وباعتراف المنظمة.

7 في المئة فقط من حجم السوق

يقدّر حجم سوق الأدوية في لبنان بـما يقارب المليار وتسعماية مليون دولار أميركي، ويستورد لبنان من حوالى 40 دولة منها 5 دول عربيّة. تبلغ حصّة صناعة الأدوية المحليّة من حجم السوق 7 في المئة فقط، وهي حصة متدنيّة جداً إذا ما قورنت بدول الجوار إذ تبلغ في الأردن 40 في المئة، وفي السعوديّة 30 في المئة، وفي مصر 54 في المئة، بينما تبلغ في إيران 97 في المئة.

في هذا السياق، ترى د. دهام «أنّ حجم سوق الدواء اللبناني متضخم جداً، إذ يبلغ وحسب سعر المبيع بحدود المليار و900 مليون دولار، وهذا رقم غير منطقي إذا ما قورن بدولة مثل إيران حيث تعداد سكانها يفوق تسعين مليون نسمة وحجم السوق فيها ملياران و700 مليون دولار. كذلك نيجيريا مثلاً حجم السوق فيها 600 مليون دولار». وتضيف: «السوق اللبناني متضخم بسبب عدم ترشيد استخدام الدواء! تـقسّم الأدوية الى مـجمـوعـتين: أدوية مبتكرة (Originators) وأدويــة جنريك Generics)). في كلّ دول العالم المعادلة تكون 20 في المئة (Originators) و80 في المئة (Generics)، أما في لبنان فالمعادلة معكوسة حيث نجد أنها 17 في المئة (Generics) و 83 في المئة (Originators) ويدفع ثمن هذه الأدوية باهظة الثمن المواطنون والضمان الاجتماعي وشركات التأمين ومؤسّسات الدولة من وزارات الصحة والدفاع والداخلية وغيرها».

وتعتبر د. دهام أنّ معالجة هذا الموضوع «تحتاج إلى قرار سياسي، لتذليل الاحتكارات الموجودة في سوق الدواء أسوةً ببعض السلع الأخرى التي تكبّد البلد أثماناً باهظة وتُمعن في نزف العملة الصعبة الى الخارج».

وتتابع: «إذا مُنع استيراد الأدوية المنافسة للأدوية المُنتجة محليّاً تستطيع الصناعة أن تؤمّن بالقدرات التصنيعية الحالية بمقدار 600 مليون دولار، وبالتالي زيادة حصة الدواء الوطني في السوق المحلية من 7 % الى 30 %. وهذا من شأنه أن يقلل حجم تدفق العملة الصعبة إلى الخارج على الأقلّ بحوالي 400 مليون دولار، لأنّ متوسط سعر الدواء الوطني هو أقلّ بـ 40 % عن متوسط سعر الدواء المستورد، والدواء الوطني يحتاج فقط إلى ثمن المواد الأولية من الخارج كعملة صعبة وما يعادل ثلث سعره. يجب أن تكون هناك حماية للصناعة الوطنية أو على الأقلّ كوتا للاستيراد تُبقي الهامش الأكبر للصناعة الوطنية. في مصر مثلاً يعتمدون سياسة الصندوق (Box) ولا يسجلون إلا عشرة أصناف من نفس التركيبة الدوائية: واحد Originator وآخر Generic مستورد والباقي جنيريك محلّي، أما في لبنان فنجد أحياناً أربعين دواء مسجلاً من التركيبة نفسها. وهذا يدعو إلى الاستغراب والتساؤل: ما هي القيمة المضافة لاستيراد كلّ هذه الأدوية من تركيبة واحدة ومن عدة دول لا يوجد ايّ تبادل تجاري معها؟ ولماذا لا يُطبّق مبدأ المعاملة بالمثل.

وقد زرنا دولة رئيس الحكومة د. حسّان دياب وتحدّثنا معه في مشاكل الصناعة الدوائية وآفاقها إذا ما أعطيت الفرصة ودورها في تعديل الميزان التجاري وتقليل الحاجة الى الدولار، وكذلك إدخال الدولار عن طريق التصدير، وكان دولته متفهّماً جداً ومؤيداً، أما وزير الصناعة الدكتور عماد حب الله فهو داعم بشكل كبير للصناعة المحلية، وكذلك وزير الصحة الدكتور حسن حمد، ولكن يبقى القرار السياسي هو الفيصل في إعطاء الصناعة الدوائية المحلية حقها!

وبسبب انهيار سعر الليرة نحن الآن نبيع بأقلّ من سعر التكلفة في بعض الأصناف. صحيح أنّ هناك دعماً للمواد الأولية عن طريق تغطية 85 % من الفواتير بالعملة الصعبة بالسعر الرسمي، لكنّ المواد الأولية لا تشكل أكثر من 30 – 35 بالمئة من التكلفة، والنسبة الباقية تتألف من تشغيل المصنع والمعدات وقطع الغيار والفلاتر وغيرها، مواد تعبئة وتغليف وكلها غير مدعومة، طاقة من كهرباء وديزل، رواتب موظفين وغيرها.

وهنا أيضاً نسأل: لماذا يقدّم المصرف المركزي الدعم على كامل سعر الاستيراد للدواء المستورد بينما يدعم فقط المواد الأولية التي تشكل فقط 30 – 35 % من سعر الدواء المحلي؟

نحن كمصانع محلية لدينا القدرة على تغطية حاجة لبنان من الأصناف التي ننتجها وكذلك التصدير إلى الخارج. ومعظم المصانع المحلية لديها فائض في قدراتها الإنتاجية يبلغ بالمتوسط 50 %؛ نحن في أروان نستهلك فقط 25 % من طاقتنا الإنتاجية».

وتختم د. دهام بالإشارة إلى «أنّ احتجاز المصارف لأموالنا وانتفاء وجود قروض من المصارف يحول دون تطوير عملنا وتوسيع إنتاجنا»، مُشدّدة على «أننا بحاجة إلى تطوير بعض القوانين التي ترعى الصناعة وإصدار قوانين جديدة، من شأنها أن تحفّز المستثمرين، وتشجّع على الاستثمار في القطاع الدوائي وسواه من القطاعات التي تدعم الاقتصاد اللبناني».

{ تجدر الإشارة إلى أنّ الدكتورة رويدة دهام تعمل في مجال صناعة الدواء منذ تخرّجها عام 1988 بعد أن أنهت الدكتوراه في العلوم الطبية الأساسية من كلية الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث عملت لسنوات طويلة في شركة «جلفار» Julphar في الإمارات، ولديها أكثر من ستين بحثاً منشوراً في مجال فعالية وسلامة الأدوية.

 

 

 

 

مصنع «أروان» للصناعات الدوائية هو مصنع نموذجي في لبنان ومختبراتنا هي الوحيدة في المنطقة الموافَق عليها من منظمة الصحة العالمية WHO

***

 

نحن كمصانع محلية لدينا القدرة على تغطية حاجة لبنان
من الأصناف التي تنتَج محلياً وكذلك التصدير إلى الخارج
إذا تمّ إيقاف استيراد الأدوية المنافسة

***

احتجاز المصارف لأموال الصناعيين يحول دون تطوير مصانعنا وتوسيع وتنويع إنتاجنا… بينما المطلوب هو العكس لتغطية السوق المحلي وللتصدير لأنّ التصدير يدعم الاقتصاد الوطني بالعملات الصعبة

***

للماذا يقدّم المصرف المركزي الدعم على كامل سعر الدواء المستورد
بينما يدعم فقط المواد الأولية
التي تشكل 30 – 35% من سعر الدواء المحلي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى