الوطن

من هو «كاظمي» لبنان؟

} د. وفيق إبراهيم

هذا سؤال يتوقع مسبقاً تعيين رئيس حكومة جديد في لبنان يكون تسوية بين ثلاث قوى كبرى دولية وإقليمية وقوة داخلية لها امتداد إقليمي في أكثر من موقع في الشرق الأوسط وتحالفات مع بعض دوله.

بما يعني أن رئيس الوزراء العراقي الحالي الكاظمي جاء تسوية بين النفوذ الإيراني القوي في أرض الرافدين لتحالفه مع الحشد الشعبي وبين الأميركيين الذين يحتلون العراق ناشرين اثنتي عشرة قاعدة في أراضية وسيطرة على معظم القوى السياسية الداخلية في الوسط وكردستان.

لبنانياً نجح الإعلام الغربي والخليجي والداخلي بتصوير حكومة حسان دياب المستقلة على انها حكومة يسيطر عليها حزب الله. وهذا يعني باللغة اللبنانية في بلد محكوم طائفياً سيطرة شيعيّة على السنة، ويراه الخليج محاولة فارسية إيرانية لتطويق العرب.. وجاء رفد الكهنوت الداخلي المتنوّع بدعم هذه الاتهامات ليُضفي مشروعية على انفعالات مفبركة، تبنّاها أكثر القوى طائفيّة في لبنان وهي أنصار جعجع وجنبلاط وريفي والحريري «الاخوان» سعد وبهاء، وكتائب سامي وعبقريّة ميشال معوضوهذه كلها مأمورة من الطرفين الأميركي والخليجي، وبشكل علني.

لذلك وجد ثلاثي معادلة الحكم نفسه محشوراً ومتضايقاً في تسويق حكومة حسان دياب الشديدة الاستقلالية، هذا الثلاثي المتشكل من التيار الوطني الحر المؤيد لرئيس الجمهورية ميشال عون وحزب الله وحركة أمل التي يتزعّمها رئيس المجلس النيابي نبيه بري. يمثل القوى الكبرى في طائفتيه المسيحية والشيعية. وهذا ما لعب عليه الغرب والخليج وطائفيو الداخل الذين تذرعوا بقوة ثلاثي معادلة الحكم في طوائفهما مقابل رئيس حكومة مستقل ووطني وأكاديمي في بلد لا يريد هذه المواصفات بل مجرد رئيس حكومة يرفع لواء مذهبه وكهنوتها الداخلي وتغطياتها العربية والإقليمية والدولية.

لذلك اجتمعت قوى 14 آذار بتنوعها الطائفي بتغطية غربية وخليجية وسط تهديدات إسرائيلية لحزب الله، وانفجار مرفأ بيروت والانهيار الاقتصادي، والتدخل الفرنسي المكلف أميركياًاجتمعت كل هذه العناصر لتضع الشارع اللبناني امام احتمالات انفجارات مسلحة شعبية، كما سجنت الحكومة في دائرة عجز كامل نتيجة للحصار الأميركي ـ الأوروبي عليها شاملاً المجتمع وكامل اقسام الدولة.

هذا الانسداد لا يلغي موازنات قوى لا تزال حتى الآن لصالح ثلاثي عون ـ بري ونصرالله، لكنها تدفع نحو البحث عن كوة ضوء في جدار عتمة فلبنان بلد محكوم بدستور يرعى مصالح سبع عشرة طائفة، بشكل فدرالي إنما ليس ببعد جغرافي منحصراً في التقسيم السياسي والإداري.

هنا بدا وكأن «القدر» أرسل الرئيس الفرنسي ماكرون الى لبنان حاملاً مشروع تسوية هدفها اعادة تمتين النظام السياسي اللبناني وذلك بدفع 14 آذار الى الحكم مع دعم تعديلات تصبح فيها الفدرالية اللبنانية أكثر عمقاًباتجاه جغرافيا الطوائف وهذا خطير جداً، لأنها تجمع بذلك بين فدرالية سياسية وفدرالية جغرافية قد ترتدي للتمويه شكل صلاحيات إدارية موسعة.

إن هذا المشروع الفرنسي الذي لا علاقة للقدر به بل للتأييد الأميركي، يعرف أن الوصول الى لبنان دونه ضرورة المرور بحاجز حزب الله الذي يشكل قوة سوبر ـ لبنانية بمكانة إقليمية وازنة، وهذا ما اعترف به الفرنسيون بخلفيات أميركية، وخليجية.

فكانت استقالة حكومة دياب هي الجسر الموضوعي لبدء مشاورات تسوية داخلية ـ خارجية، على الرغم مما سببته من انزعاجات عند الفريق الحاكم، لكن للضرورة أحكامها، بما يعني ان حسان دياب استقال، لكن السياسة المستقيمة لن تتركه وهو عائد إليها في أوقات قريبة وزمن أفضل.

أين لبنان الآن؟

يخضع لمشاورات من الانواع التالية: فرنسية مغطاة اميركيا مع حزب الله وبالتالي حركة أمل، فرنسية مع التيار الوطني، فرنسية ـ أميركية خليجية.

هذا الى جانب بعض الفولكلور الداخلي اللبناني الذي ليس له أي قيمة فعلية، بل معنوية تتجسد في جعجعة تصيب الحلق ببحة وإبداعات جنبلاطية تصيب المتابع بالذهول، وهلوسات سامي ونديم وميشال عن عالم افتراضي محكوم بعقائد حزب الكتائب وحواصله.

هل تفضي هذه المشاورات الى حكومة وحدة وطنية؟

يشترك الثلاثي الأقوى عون ـ حزب الله ـ بري على احترام التوازنات النيابيّة، وعدم الاقتراب من بعيد او قريب بمسألتين اساسيتين: مدة ولاية الرئيس ميشال عون غير القابلة لأي تعديل وحق حزب الله بمقاومة إسرائيل والإرهاب.

واذا كان الفرنسيون يسعون الى دور إقليمي في إعادة إعمار المنطقة من خلال حزب الله، فهذا امر ممكن وله شروطه المقابلة.

كما أن ما يريده الأميركيون من حل للخلافات حول خط هوف في مسألة آبار الغاز اللبنانية مع الكيان الاسرائيلي، يبدو حسب بري أنها في نهاياتها. فيتبقى دور لبنان في الصراع على الغاز في مياه البحر المتوسط، وهذا أمر شائك لأن لبنان لا يعترف بالكيان المحتل، ويرفض بالتالي الانضمام الى حلف الغاز المتوسطي المتشكل من مصر و»اسرائيل» واليونان وقبرص والأميركيين وبعض الدول الاوروبية.

بذلك يتبين أن مفاوضات شائكة تنتظر الفرنسيين الذين يريدون إبعاد الأتراك وإعادة حلفائهم الى الحكم والمشاركة في اعادة الإعمار الإقليمية وبعض غاز المتوسط..

ما يكشف استحالة هذه الأمور من دون تقارب لافت مع حزب الله، هذا الحزب الذي لا يستطيع تقديم هدايا في مواضيع استراتيجية على مستوى دوره المقاوم، لكنه يستطيع الموافقة على سعد الحريري رئيساً للحكومة اما ما يشابهه، لكنه لن يقبل بمرشح يمثل التطرّف الأميركي خارجياً والطائفي داخلياً، على شاكلة نواف سلام والريفي والمشنوق.

هذا جانب من المشكلة، أما حلقاتها الأخرى فخليجية سعودية لم تعلن حتى الآن هوية مرشحها لرئاسة الحكومة كما يجري دائماً، ولا تزال تُصرّ على تجريد حزب الله من سلاحه وإلا فإنها لن ترتضي بأي حكومة مقبلة.

لكن هناك من يقول إن هذا الرفض الخليجي هو «عدة الشغل» الاميركية التي يريدون بها، انتزاع اكبر كمية من التنازلات من حلف عون ـ بري وحزب الله.

لبنان إذا وسط مشاورات قاسية دولية، واقليمية وداخلية، يبدو أن أسهل شيء فيها هو الموافقة المسبقة لأطرافها على هوية رئيس الحكومة المقبل يشبه سياسياً رئيس حكومة العراق الكاظمي الذي تعبّر حكومته حالياً عن هدنة سياسية طويلة بين الاميركيين وبين إيران وحلفائها في الحشد الشعبي.

تبقى مسألة اساسية تتعلق بتوزيع المقاعد والادوار الإقليمية لحزب الله والغاز وتهدئة للجبهة الجنوبية.. وهذا يعني ضرورة انتظار مرحلة ما بعد الانتخابات الأميركية تشرين الثاني المقبل بحكومة تصريف أعمال يترأسها دياب في اجواء هدنة لمعالجة تداعيات الانهيار الاقتصادي اللبناني الذي يشكل خطراً استراتيجياً اشد هولاً من أي فشل في تشكيل حكومة جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق