آراء ودراسات

كارثة مرفأ بيروت من منظارها الاستراتيجي…

 

} رامي عبّود

لا يمكن وصف الحدث الذي جرى في مرفأ بيروت بأقلّ من كارثة في كلّ المقاييس، انْ كان من ناحية عدد الشهداء والجرحى والمفقودين، أو من ناحية التداعيات التي خلّفها على مستوى الدولة والمجتمع والشعب في لبنان والذي، جرّاء التدمير الكامل الذي أنتجه، صعّب بدرجة كبيرة التحقيق في الكشف عما حصل بدقّة.

فحتّى الآن، لا رواية كاملة متناسقة عن الحدث المهول الذي جرى. ولا أدلّة دامغة توكّد أيّاً من الفرضيات المطروحة انْ كانت تأخذ بعين الاعتبار أنّ الحدث مفتعل أم لا، وفي كلا الحالتين هناك مسؤوليّة داخلية نتيجة الإهمال الفادح الذي تبيّن، والذي لا يجب أن يمرّ دون محاسبة قاسية وحاسمة. ولكن المعركة السياسية الشرسة التي يمرّ بها البلد والمنطقة بأكملها وحوادث مشابهة حصلت مؤخّراً في بلدان مجاورة معنية بشكل مباشر بالصراع القائم تدفع بنا بقوّة الى أن لا نستبعد أبداً أن يكون للعدو الاسرائيلي والإدارة الأميركية علاقة مباشرة في التفجير انطلاقاً من قاعدة من المستفيد الأوّل من نسف المرفأ، وأيضاً من سارع ليستثمره سياسيّاّ في خدمة أجندته.

فيتعرّض لبنان اليوم لهجمة اقتصادية شرسة جدّاً متمثلة بالحصار، لم تأت بالنتيجة المرجوّة منه حتى الآن. وكان لا يزال مرفأ بيروت يشكّل شرياناً حيويّاً أساسياً للبلد كونه تجري من خلاله النسبة الأكبر من الحركة التجارية من والى لبنان. حيث أنّ هذا المرفأ يصل اليه أكثر من نصف كميّة البضائع المستوردة من الخارج أيّ يؤمّن أكثر من نصف حاجيات المجتمع اللبناني. ولا قدرة للمرافئ الأخرى على استيعاب هذه الكميّة. ومن الجهة الثانية لا يزال موضوع العلاقة مع سورية على حاله جرّاء الفيتو الأميركي الذي يمنع لبنان من تنظيم العلاقة معها مما يجعل لبنان من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه مخنوقاً دون أيّ متنفّس. ثم بعد الفاجعة مباشرة، ولم تجفّ بعد دماء القتلى والجرحى، بدأت الأصوات الداخلية المتماهية مع السياسة الأميركية تعلو لتطالب بتدويل الأزمة وفرض وصاية خارجية على مختلف مرافق الدولة اللبنانية وهو ببساطة احتلال جديد للبلد تحت مسمّيات باهتة وهو مطلب أميركي قديم يرجع الى أيام حرب تموز. أمام هذا الواقع، ألا يصبح من البديهي أن نقدّم في ساحة الفرضيات المطروحة تلك التي تضع العدو في موضع الاتهام؟ ألا تذكّركم المطالبة بمحكمة دوليّة للتحقيق بهذا الحدث بحادثة اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري بعد أن خدمت المحكمة الخاصة باغتياله مخدوميّتها وانتهت صلاحيّتها ولم تعد تفي قراراتها بالغرض من تشكيلها من تحريض للبنانيين بعضهم على بعض؟ ألا يدخل التخبط خلال الدقائق الأولى من الانفجار في الروايات من مفرقعات الى تلحيم حديد وغيرها الشكّ والريب الى عقولكم؟ في كلّ الأحوال، حتّى لو لم يثبت ضلوع العدو الصهيوني بشيء يتعلق بحادث المرفأ، مجرّد محاولة استثمار حدث مساء 4 آب للضغط على اللبنانيين الذين سفكت دماؤهم وهدم متنفسّهم التجاري الأول هو بحدّ ذاته جريمة تاريخية موصوفة.

واذا صعدنا بالتدبّر الى تلّة أعلى تشمل في أفق منظارها المنطقة كلّها. لا يمكن فصل الحدث وتبعاته عن صفقة القرن والدور التاريخي الذي لعبه مرفأ العاصمة اللبنانية. فمنذ تأسيس الكيان الغاصب على أرض فلسطين ومرفأ بيروت هو أحد المرافق الأساسية في تجارة المنطقة، خصوصاً أنه لم يكن هناك علاقات علنية بين الأنظمة العربية والكيان الاسرائيلي. وهو في هذه المرحلة المرشّح ليمرّر الى سورية ما تحتاجه لورشة إعادة إعمارها. والآن بعد إعلان صفقة القرن، وعمليات تطبيع العلاقات المتتالية والمتسارعة بين العديد من الأنظمة العربية و»إسرائيل»، صار من الممكن للمرافئ الإسرائيلية وعلى رأسها مرفأ حيفا أن تلعب الدور ذاته. لا بل يمكن أن تلعب الدور وحده إذا تمّ التخلّص من منافسها البيروتي وعرقلة إعادة بنائه او تطوير غيره ليكون بديلاً عنه. مجدّداً، ألا يستدعي ذلك أن ندرس بجديّة فرضية أن تكون «إسرائيل» وراء الحدث الكارثة؟

أمّا المسؤولون في الدولة اللبنانيّة، وفي مقدّمتهم الحكومة. ليس المطلوب منكم أن تستقيلوا. ممنوع عليكم أن تستقيلوا. لأنه لن يكون سوى تهرّب من المسؤوليّة في زمن ارتفعت فيه المسؤوليّات وانعدمت فيه البدائل. الكارثة لا تكمن فقط في عدد الذين رحلوا وجرحوا، فتداعياتها لا تقلّ خطورة. ملايين القاطنين في لبنان اليوم فقدوا مرفأهم الرئيسي وهم مهدّدون بانقطاع وصول ما يلبّي حاجاتهم المعيشية. لم يعد مقبولاً المراوغة والمساومة في مصير البلد وشعبه الذي تكاثرت في ظهره الطعنات. لم يعد مقبولاً أن يبقى بينكم من يراهن على مسارات إرضائية لأميركا ومعها الغرب المستعمر الذي يعرقل كل الحلول. من جاء إرضاء لذاته او مراهناً على حلول يأتي بها من مؤسّسات دوليّة تأتمر من الولايات المتحدة الأمريكية ألفظوه من بين صفوفكم. من كان منكم لا يفقه اللعبة السياسية آن له يفقه دهاليزها، ويعرف أنّ أميركا استغلت وتستغلّ كلّ صغيرة وكبيرة طرأت وتطرأ على لبنان وأنها لا تحسن أن تكون غير ذلك. انه وقت القرارات الحاسمة اللا متردّدة في ملاقاة أيدي العون الممدودة منذ سنين الى هذا البلد وما زالت ممدودة تعبّر عن صدق نيّاتها. حان وقت التوجه شرقاً أكثر من أيّ زمن مضى وأول التوجه لا يصحّ إلا من بوابة سورية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق