أولى

معنى وعيد نصرالله: «إسرائيل ستدفع ثمناً بحجم جريمتها الكبرى»

 د. عصام نعمان*

 

برغم التزاحم السياسي والديبلوماسي وتقاطع جولات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ووكيل وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الادنى ديفيد هيل، ووزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي على الرئاسات والقيادات والمرجعيات، فإنّ أزمة لبنان المحتدمة، لا سيما بعد كارثة مرفأ بيروت واستقالة حكومة حسان دياب، ما زالت تراوح مكانها. الأمر الوحيد الجديد واللافت على شاشة المشهد السياسي كان كلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لدحر «إسرائيل» في حرب العام 2006.

في كلمته الجامعة تطرّق قائد المقاومة الى قضايا متعددة. غير انّ الحدث الجديد اللافت تمثّل في قوله إن ثمة فرضيتين حول أسباب الانفجار في مرفأ بيروت: إما ان يكون عَرَضياً او تخريبياً، وان قيادة المقاومة تنتظر نتائج التحقيق، واذا ثبت انّ الانفجار كان عَرَضياً فتجب محاسبة المسؤولين عن هذه الفاجعة، او كان تخريبياً فيجب البدء بالتحقيق حول مَن يقف خلفه، مشدداً على ان المقاومة لا يمكن أن تسكت على جريمة كبرى بهذا الحجم، وإذا كانت «إسرائيل» قد ارتكبتها، فإنها «ستدفع ثمناً بحجم هذه الجريمة الكبرى».

موقف نصرالله الجادّ والحاسم استوقف القادة السياسيين والعسكريين في لبنان، ولا بدّ من أن يكون قد حظي ايضاً باهتمام وقلق بالغين في «إسرائيل». ذلك أنّ حالة التأهّب العسكري في منطقة الجبهة الشمالية مع لبنان كانت بدأت بالتراجع عشية كلمة نصرالله بحسب صحيفة «معاريف» (14/8/2020) «إذ اخذ الجيش الإسرائيلي بخفض قواته ومنح الجنود اذونات بالعودة الى منازلهم». وربما أعادت قيادة الجيش النظر بقرارها هذا بعد الوعيد الذي أطلقه نصرالله وإنْ كان تنفيذه يبقى محكوماً بنتائج التحقيق التي لا يبدو إعلانها وشيكاً.

القيادة العسكرية الإسرائيلية لن تنتظر، بطبيعة الحال، إعلان نتائج التحقيق، لأنها حريصة على اخذ مواقف نصرالله وتهديداته على محمل الجدّ. لعلها ستبادر الى التشديد على الأميركيين بوجوب تسلّم إدارة التحقيق في الإنفجار وملابساته بعدما أعلنت إدارة ترامب رسمياً بلسان هيل مشاركة عناصر مكتب التحقيقات الفدرالي FBI في التحقيق ما سيمكّنهم من إبعاد ايّ مسؤولية لـِ «إسرائيل» عن الانفجار.

لكن ماذا لو أخفق المحققون الأميركيون في حجب الأدلة والشواهد التي تشير الى انخراط «إسرائيل» في تفجير مرفأ بيروت؟

قادة «إسرائيل» سيضعون بالتأكيد هذا الاحتمال في حسبانهم وسيحتاطون لتداعياته. في هذا السياق، لا بد من ان يكون قد استوقفهم ليس وعيد نصرالله بأنّ المقاومة لن تسكت على جريمة كبرى بهذا الحجم فحسب بل تأكيده ايضاً بأن «إسرائيل ستدفع ثمناً بحجم هذه الجريمة الكبرى اذا كانت قد ارتكبتها».

إلى ذلك، يبدو انّ حجم الجريمة كبير: نحو 200 شهيد، و6000 جريح، ومئات المفقودين، وتدمير معظم أقسام المرفأ والمساكن والمرافق في الأحياء والشوارع المحيطة به في دائرة لا يقلّ محيطها عن خمسة كيلومترات. وبحسب تقديرات البنك الدولي أدى الانفجار الى تضرّر نحو 50 الف وحدة سكنية، وبات نحو 300 الف شخص بلا مأوى، فضلاً عن اضرار لاحقة بثلاثة مستشفيات خاصة ومستشفى حكومي واحد كانت تؤدي خدمات لنحو مليون شخص. كل ذلك ناهيك عن الركود القاسي الناجم عن الأزمة الاقتصادية والخسارة الكبيرة في ايرادات الخزينة المتأتية من المرفأ، لا سيما من انخفاض الرسوم الجمركية، ناهيك عن تفاقم كلفة الاستيراد وازدياد معدلات التضخم بما يتراوح بين 6,9 في المئة و 12,3 في المئة، وأن الفقر المدقع سيبلغ 45 في المئة. في المجمل، قدّر خبراء صحيفة «نيويورك تايمز» كلفة الأضرار بنحو 15 مليار / بليون دولار.

عندما يتوعّد السيد حسن نصرالله «إسرائيل» بتدفيعها ثمناً بحجم جريمتها الكبرى، فإنّ السؤال الذي ينهض سريعاً: هل لدى المقاومة في لبنان أسلحة تمكّنها من «تدفيع «إسرائيل» ثمناً لجريمة يربو حجمها وكلفتها على 15 مليار دولار؟

تقتضي الإشارة الى أن لنصرالله صدقية معترفاً بها حتى في «إسرائيل»، فلا يعقل ان يكون قد وعد جمهوره بأمر لا يستطيع إنجازه. هذا الاستنتاج يقود الى امرٍ اكثر دلالة وهو انّ نصرالله يملك اسلحةً متطورة بمقدورها تنفيذ وعيده، وبالتالي إلحاق اضرارٍ وخسائر بشرية ومادية هائلة بـ«إسرائيل» تضاهي تلك التي ألحقتها بلبنان.

وعليه، من المرجح أن تتوصّل الولايات المتحدة، ومن ورائها «إسرائيل»، الى مثل هذا الاستنتاج الخطير وبالتالي الى قيام إدارة ترامب باعتماد أحد نهجين:

مرونة أكثر إزاء حزب الله والمقاومة وتسامح أكبر مع حكومة لبنان في موقفها من مسألة ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، وتعاطف أوفر معها في مسألة التنقيب عن النفط والغاز في المقطع 9Block المجاور للمنطقة البحرية التي تستثمرها «إسرائيل» وتحاول توسيعها لقضم المزيد من المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان.

تصلّبٌ اكثر إزاء حزب الله وحلفائه المحليين لا سيما العونيين، في محاولةٍ مكشوفة لممارسة مزيد من الضغط في سياق حربها الناعمة وعقوباتها الاقتصادية المتواصلة ضد إيران وحلفائها الإقليميين.

هل من نهج (او مخرج) ثالث؟

_ وزير سابق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق