الوطن

لبنان على فالق الانهيار التامّ… لكن فرص النجاة متوفرة وإنْ بمقدار خيط رفيع

} علي بدر الدين

على وقع القراءات السياسية المختلفة لحكم المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأياً كان الموقف منه سلباً أو إيجاباً، فإنّ لبنان تجاوز قطوعاً فتنوياً خطيراً كانت الخشية من حصول فتنة مذهبية لا تبقي ولا تذر بعد صدور قرار المحكمة، الذي نزع فتيل القنبلة الموقوتة قبل انفجارها وتشظي اللبنانيين منها.

ويبدو من المواقف السياسية والشعبية المؤيدة والداعمة لتيار المستقبل ومن يدور في فلكه وتحديداً بيئته الحاضنة لم تقم بأيّ ردّ فعل سلبي ولم تخرج عن طورها وتنزل إلى الشوارع وتقطع الطرق وترفع شعارات وعناوين الإساءة والاتهامات والتحريض كما كانت تفعل في أوقات سابقة، وهكذا فعلت القوى السياسية التي اتهم قرار المحكمة أحد عناصرها سليم عياش غيابياً بقتل الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في ١٤ شباط من سنة ٢٠٠٥ وبرّأ الآخرين.

هذه العقلانية والواقعية السياسية وعدم الانفعال أو التهوّر بعد صدور القرار وتنفيس الاحتقان الطائفي والمذهبي الذي تراكم  على مدى خمسة عشر عاماً من التحريض والتعبئة وشحن النفوس والإشكالات الأمنية لسبب أو من دونه، على خلفيات سياسية ومذهبية وتوجيه الاتهام لفريق  سياسي لبناني باغتيال الحريريكلها عوامل جنّبت البلد خضة أمنية بين أبناء الوطن الواحد، لا أحد يمكنه التكهّن بتداعياتها وكيفية الخروج منها، خاصة أنّ لبنان المنكوب جراء الانفجار الكارثي بتدمير أقله نصف عاصمته وسقوط مئات الضحايا الشهداء وآلاف الجرحى وعشرات المفقودين الذين تتواصل عملية انتشال أشلائهم من تحت الأنقاض.

إنّ هذا البلد الذي أصابته اللعنة كأنه ولّادة للصراعات والحروب والأزمات التي لا نهاية لها، وتأتي دائماً مخاضاتها عسيرة وقاتلة ومدمّرة وولادتها مشبوهة ومشوّهة على أيدي طبقة سياسية غير مؤهّلة لهذه المهمة والمسؤولية، ولطالما تعثرت الولادات وتشوّه المولود الضحية حيث يتبادل السياسيون الاتهامات وتحميل المسؤوليات وإصدار الأحكام وتفاقم الصراعات السياسية والطائفية والمذهبية والضحايا هم أنفسهم في كلّ مكان وزمان، إنهم اللبنانيون في حين أنّ رموز السياسة والسلطة على تنوعها واختلاف مكوّناتها تزداد نفوذاً وقوة ومالاً وتحكماً. ولم تتعظ وتعتبر وتتعقلن وتتحمّل مسؤولياتها أقله رأفة ورحمة بهذا الشعب الذي اكتوى بنارها ويقتل كلّ يوم ويفقر ويجوع ويتشرّد ويهاجر ويقسم بعدم العودة إلى وطن لا يحضن أبناءه وحكام نهبوا ماله، ولا يشعر بالأمان والاطمئنان على حياته وسلامة عائلته، وعقلية حكامه متحجّرة لا زالت تنتهج سياسة القرون الغابرة وعقولها توقفت عند عقارب ذاك الزمن.

إنّ لبنان اليوم واقع على فيلق الانهيار التامّ أو على شفير الهاوية٠ نقزة مفاجئة أو نسمة هواء، أو دفشة صغيرة، كافية لسقوطه في هذه الهاوية التي تشعر بمعاناة اللبنانيين أكثر من الحاكمين حاضراً وماضياً، وهي تمنحهم فرصاً إضافية ليتحمّلوا المسؤولية وولوج الحلول والمعالجات والتفاهم على إنقاذ ما يمكن قبل فوات الأوان وقبل إغراق هذا الشعب بمصائب جديدة مهلكة وقاتلة ومدمّرة. خاصة أنّ الآتي سيكون أعظم وأخطر والمنطقة التي ترسم خرائطها من جديد على وقع الحروب والفتن والصراعات ومن أجل النفط والغاز والنفوذ والهيمنة تجمّعت على فوهة بركان قد ينفجر بأية لحظة وسيكون لبنان هو الحلقة الأضعف لأنّ حكامه عنه ساهون ومنشغلون ومقصّرون وعاجزون وقد فرقتهم المصالح حيناً والتبعية والارتهان حيناً آخر، كما تجمعهم أحياناً المصالح على حساب الوطن والشعب.

ربما لا تزال الفرصة متوفرة أمام الطبقة السياسية، وإنْ بمقدار خيط رفيع، وهي في سباق مع الزمن وإنْ كانت على قصب السبق، ولنا مثال في سباق الأرنب والسلحفاة التي حققت الفوز بالإرادة والإصرار والمثابرة. فهل تستفيد هذه الطبقة من عزيمة السلحفاة وتعود إلى شعبها الذي أخطأ في إعادة إنتاجها وتنقذه من براثن صراع الدول ومصالحها وأطماعها قبل أن يذهب ريحها وتتكوّم تحت ركام الهيكل اسوة بشعبها الذي أرداه الفساد والنهب والصفقات والسمسرات، لأنّ يوم الحساب آت لا محالة، إنْ طال الزمن أم قصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى