الوطن

فتّش عن المستفيد لتتعرّف على المجرم…

 

} د. جمال شهاب المحسن

ما صدر مؤخّراً بشأن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي نشأت خارجَ الأصول الوطنية السيادية اللبنانية والقوانين الدولية ولم يفاوضْ بشأنها رئيس الجمهورية اللبنانية ولم يصادقْ عليها مجلس النواب في خرقٍ فاضحٍ للدستور اللبناني، وبعد تنصّلِها من صلاحيتها في ملاحقة الشهود الزور واعتمادها على «أدلة ظرفية» قاصرة وغير ذات قيمة ثبوتية من خلال الاتصالات «الهاتفية المتزامنة» دون معرفة مضامينها وما دار فيها كأحد ركائز التحقيق والمحكمة والحكم والتي لا ترقى الى مستوى القرينة والدليل الفعلي، لا يُنتظر من هذه المحكمة إحقاقُ الحق ولا إقامةُ العدل.. وهنا لا بدَّ من التساؤل عن غياب وتغييب كلّ الفرضيات والحقائق والشواهد في مسار التحقيق الدولي والمحكمة الدولية منذ خمسة عشر عاماً التي تؤدي إلى توجيه أصابع الاتهام للكيان الصهيوني الإرهابي المجرم والولايات المتحدة الأميركية وأدواتهما المستفيدين الحقيقيين من الانقلاب السياسي والإعلامي والأمني الذي حصل في لبنان بعد اغتيال الحريري، وهذا يأخذُنا مباشرةً الى موضوع تضليل التحقيق الدولي والشهود الزور الذين ضلّلوا التحقيق ضمن خطةٍ مصمّمةٍ لذلك لاتهام سورية وحزب الله والضباط الأربعة وإبعاد التهمة عن المستفيدين الحقيقيين من عملية الاغتيال.  

قبل سنوات صدر كتاب بعنوان: «النفاق الأميركي» لمؤلّفه عمران أدهم الوثيق الصلة بالأميركيين، سلِّط فيه الضوءَ على كثيرٍ من المخططات الأميركية في «الشرق الأوسط» وفي العالم، وأخطر ما فيه هو أنّ الولايات المتحدة الأميركية و»إسرائيل» كانتا وراء اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. ويتضمّن الكتاب شهادات يقول المؤلف إنها نُقلت إليه شخصياً من أصحابها الذين كانوا مسؤولين كباراً في المخابرات الأميركية ويوردُ أسماءهم الصريحة، ويؤكد في الوقت نفسه أنه يملك ما يوثِّق هذه الإفادات وهو مستعدٌّ لعرضها إذا لزم الأمر، إذ يقول حرفياً: «إنني أحتفظ بعناية بالمستندات التي رفدتني بالمعلومات والأسرار الكبيرة والصغيرة وأنا على استعداد كامل للكشف عنها إذا لزم الأمر» ص 78.

ويتابع : يقول «جون بيركنز، أحد كبار المسؤولين في المخابرات المركزية الأميركية (قبل تقاعده)، روى لي القصة كاملة وأنقل وقائعها على لسانه حيث قال: «المسؤول عن موكب الحريري كان يعرف جيداً الساعة الصفر، ولأنه كان يعرف، فقد امتنع عن مرافقته عندما كان يستعدّ للانتقال من مجلس النواب إلى دارته في قريطم، بل إنه هو الذي أشار على الموكب بسلوك الطريق البحري في طريق العودة». مضيفاً: «إنّ الأقمار الأميركية والإسرائيلية صوّرت عملية الاغتيال، إضافةً إلى طائرة هليكوبتر إسرائيلية كانت في الجو في محاذاة الشاطئ اللبناني وكانت تراقب سير العملية، وقد رفضت الإدارة الأميركية أن تتولى لجنة تحقيق لبنانية التحقيق في العملية.. وفي تلفيق التهم، تمّ اختيار المحقق الألماني ديتليف ميليس كي يرأس لجنة تحقيق دولية ووافق على تشكيلها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان». ص 80 .

ويضيف أيضاً: «وبالمناسبة، أقول (والكلام لبيركنز) إنّ سيارة الحريري كانت مزوّدةً بأجهزة رصد تقنية متقدّمة لا تستطيع أيّ دولة ـ باستثناء الولايات المتحدة الأميركية و»إسرائيل» ـ تعطيلها. كذلك، مهمة التعطيل هذه أوكلت إلى الباخرة الإسرائيلية التي كانت ترابط على حدود المياه الإقليمية اللبنانية تساندها من الجو طائرة أواكس أميركية وهليكوبتر إسرائيلية». ص 81.

ثم يقول في الصفحة 84: «أعود إلى اغتيال الحريري، على لسان بيركنز إيّاه، لأتوقّف عند ما قاله المحقق السويدي في طاقم المحكمة الدولية «بو أستروم»، وهو كبير المحققين ونائب رئيس فريق التحقيق، من أن الإسرائيليين والأميركيين رفضوا تزويد التحقيق بالصور التي التقطتها الأقمار مما يحمل دلالات مهمة على أن واشنطن لا تريد الإسهام في كشف الحقيقة. لقد اكتفت الحكومة الأميركية بالقول إن مشاكل تقنية حصلت خلال فترة إغتيال الحريري. ولهذا السبب، لم نحصل على أي معلومات حيوية ولعلّ الأمر مجرد سياسة.

ثم يتوقّفُ صاحب الكتاب أمام إفادة لمسؤول سابق آخر في المخابرات المركزية الأميركية هو «دافيد وين» الذي يصفه بأنه كان مسؤولاً طوال ثماني سنوات على امتداد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حتى آخر أيار 2014، فيروي التالي:

قال لي «وين» إنّ أسباباً عدة تجمّعت وأدّت في النهاية إلى اتخاذ القرار . وأبرز هذه الأسباب اقتناع إسرائيل بأن الحريري شخصية عربية قوية تتمتع بحضور مؤثّر على المستويين الإقليمي والدولي، كما أنّ هذا الرجل نسَج شبكة علاقات بالغة الأهمية، عربياً وأوروبياً وأميركياً، وظّفها في مساندة المقاومة ومساندة سوريا، كما وظّفها في خدمة لبنان وتعزيز دوره المالي والإقتصادي كقطبٍ جاذبٍ للرساميل والاستثمارات الخليجية، وما حصل عقب الإكتشافات النفطية الأخيرة، أنّ لجنة أمنية ـ سياسية نبّهت الحكومة الإسرائيلية إلى أنّ وجود الحريري في الحكم سوف يتسبّب بمتاعب لـ «إسرائيل»، خصوصاً في عملية ترسيم الحدود بين قبرص ولبنان، الأمر الذي يضع الدولة العبرية أمام ما يشبه «الأمر الواقع» في ما يتعلق بحجم ثروتها النفطية والغازية».

وقد ورد في التقرير بالحرف الواحد: لا بدّ من التخلص من هذا الرجل، لأنّ تطلعاته وطموحاته لا تنسجمان مع تطلعاتنا وطموحاتنا ونظرتنا إلى مستقبل المنطقة ودور «إسرائيل» في المدى الإقليمي.

وطوال أسابيع عدة، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يتشاور مع القيادات الأمنية في الصيغة الفضلى لتصفية الحريري من دون إلحاق الضرر بـ «إسرائيل». وبعد مداولات طالت، استقرَّ الرأي على اغتيال الرجل في بلد أوروبي أو عربي، لكن خبراء «الموساد» رفضوا هذا التوجه لأنه قد يرتّب عواقب وخيمة على «إسرائيل».

هنا اقترح رئيس الوزراء «أرييل شارون» استبدال كلّ الخطط الموضوعة بخطة تقضي بتنفيذ العملية داخل بيروت وبذلك تصيب «إسرائيل» عصفورين بحجر واحد: التخلص من الرجل والتأسيس لصراع داخلي طويل في لبنان بين أنصار الحريري من جهة ومؤيدي سورية وحزب الله من جهة أخرى، ما يؤدي إلى إنسحاب القوات السورية في نهاية المطاف ومَذْهَبَة الصراع السياسي الداخلي . ص87.

أردتُ من استحضار ما ورد في الكتاب المذكور، أن أشير الى أنه يتقاطع مع تقارير استقصائية ومعلومات استخبارية أعلن عنها العديد من المتابعين والإعلاميين والخبراء.

وفي مثل هذه الجرائم، فتش عن المستفيد لتتعرّف على المجرم، وهذا ما لم تفعله، لا لجنة التحقيق الدولية التي استعانت بالشهود الزور والروايات المضللة، ولا المحكمة الدولية التي وُلدت ميتة في قضيتي الحق والعدالة وفي سياق الابتزاز: إمّا الإستجابة للطلبات الأميركية وهذا مستحيلٌ عند الأحرار المقاومين في سورية ولبنان، وإمّا أن تواجه «سيف» المحكمة والمسرحيات الإعلامية الدعائية المسمومة التي تريد تزوير الحقائق وقلبها والتلاعب فيها.. وهنا نتذكّر شهادة السفير الأميركي الأسبق في لبنان جيفري فيلتمان أمام الكونغرس الأميركي في الثامن من حزيران عام 2010، حيث اعترف بأن الإدارة الأميركية قدّمت منذ عام 2006، أكثر من 500 مليون دولار أميركي عبر الوكالة الأميركية للتنمية ومبادرة الشراكة الشرق ـــــ أوسطية لتشويه حزب الله، وشدّد على أنّ العنوان الأساسي لهذه الأموال: «الحدّ من جاذبية حزب الله لدى الشباب اللبناني».. وطبعاً هناك مَن يدفع كالأميركي وغيره ومَن يقبض تحت مسمّيات وجمعيات وأقنعة سياسية وإعلامية و»مدنية» مختلفة.. ولكن كلّ هذا التآمر والتشويش المعادي لن يؤثّر على محور المقاومة المنتصر.

* إعلامي وباحث في علم الإجتماع السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق