أولى

شديد «الإيمان»
كثير الجرائم…

 

} لواء العريضي

فكان الدين لتشريف الحياة. رفع الدين مستوى أخلاق الشعوب وأرساها عند أحمدها. علّ شعوب الأرض ينعمون بالسلام والأمان فيطمحون لمستقبلٍ أفضل تُستثمر فيه الموارد بطريقة مستدامة وتضمن الحياة الآمنة للأجيال القادمة. حلمٌ ظنّ الأنبياء أنهم أرسوا أسسه عندما أدركوا أنّ أتباعهم بات عددهم يقدّر بمئات الآلاف، لا بل بالملايين.

ما مرّ بضعة قرون حتى اندلعت أشدّ الحروب ضراوةً باسم الدين، فكانت الحروب الصليبية. وبعدها أتت الحروب الأوروبية حتى عصر النهضة، واليوم موضة الحروب التكفيرية، هذا ولم نذكر الحروب المتنقلة ذات الخلفيات الطائفية السياسية. فعن أيّ دين نتكلّم؟

بلدنا اليوم وفي مئويته الأولى لا يزال يتخبّط بالطائفية. داءٌ ألمّ به منذ الولادة وسيتلازم معه حتى النهاية. فكلّ ما فيه مقسّم على أساس ديني طائفي، من المراكز العليا في الدولة حتى أصغر وظيفة. من موارده ومرافقه ومناطقه حتى إعلامه. فبات اللبناني بحاجة لتذكرة طائفية إذا شاء التملّك خارج بلدته! فغزت الطائفية الهواء واحتلّت الكوارث والانتصارات. وغيّرت مفهوم اللحمة القومية والتضامن الإنساني وجعلته طائفياً بغيضاً.

من يسمع ببلدٍ قائمٍ على أساس ديني طائفي وأقلّها يظنّ أن شعبه مؤمن، وشتّان بين الطائفية والإيمان. فالإيمان عندنا رهن إشارة الإقطاع يتمايل حسب الرغبات الشخصية. والطائفيون أنفسهم يمجّدون الخالق متى أرادوه جنبهم لنصرة ثلّتهم، ويتملّصون منه عند دعوتهم لمحبة الجميع ومعاملة الناس باحترام وسواسية.

إنّ شعبنا شديد «الإيمان» وكثير الجرائم وعلى شدة إيمانه تأتي فظاعة جرائمه. فما هو أفظع من الفتنة؟ وما هو أبشع من تكفير الآخر؟ وما هو أقبح من إبقاء النفس خصبةً لجميع أفكار التفرقة والخوف من الآخرين؟ إجرام اللبنانيين على مستوى الحكم يظهر في السياسة وسرقة الدولة وتعرية شبابها من أحلامهم ومستقبلهم. وإجرام الشعب يظهر في حلّة أخلاقية تملأ الحياة اليومية كره وحقد وضغينة ونميمة وتنمّر واستهتار وقلّة احترام وغياب المودّة والمحبة وسيطرة النية السيئة وازدواجية المعايير. ناهيك عن القتل بدمٍّ باردٍ وتأجيج الفتنة وسرقة البيوت المنكوبة بعد الكوارث، إنها درجة تدنّي قلّما وصل لها مجتمع إنساني.

عندنا أيضاً أناسٌ يرقدون في بيوت الله وتراهم يسرقون ويتآمرون ويمجنون، ثم يطلقون العنان لمحاضراتهم الإنسانية العفيفة. فهل بات أهل الدين لا دين لهم؟ إذا كانت العصبية الطائفية هي الحاكمة لا شدّة الإيمان فما العائق أمام إلغاء الطائفية السياسية ودفع المواطن تجاه الدولة المدنية العابرة للطوائف وتجربة المواطنة الحقيقية؟

أثبت لبنان أنّ عصبيّة الإنسان تتغلّب على القيم الإنسانية والدينية في حين نجح العالم برمّته ببرهنة العكس. هذا الكيان الهشّ لا يحتاج لثورة ولا إصلاحات ولا مستعمر، بل يحتاج لمربٍّ يعلّم الناس أسس الحياة ويعدل بينهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق