مرويات قومية

أحد المجلّين في النضال القومي الاجتماعي الرفيق أحمد علي الأشقر

عرفت بلدة «الخريبة» في الشوف حضوراً قومياً اجتماعياً، يستحق أن يُكتَب عنه، وعن الرفقاء منها، أحدهم الرفيق أحمد علي الأشقر الذي كنت عرفت عنه الكثير. لذا، نشرت عنه كلمة عند رحيله جرى تعميمها عن عمدة شؤون عبر الحدود بتاريخ 29/4/2008، وفي تاريخ لاحق (1/5/2008) نشرت الكلمة التي كان ألقاها الأمين معضاد نجم(1)، نعيد نشرهما تعريفاً عن رفيق من أبطال الحزب، داعين الرفيق المهندس وليد الأشقر إلى أن يكتب ما يضيء على تاريخ العمل الحزبي في بلدته الخريبة، وعن رفقائنا المميزين منها.

*

وافت المنية في بلدة «الخريبة» (الشوف) الرفيق أحمد علي الأشقر بعد أن أمضى حياته في النضال الحزبي، وسطّر مواقف جريئة بطولية ما زالت البلدة ترويها بإعجاب.

شارك الرفيق أحمد في معركة شملان عام 1958، حيث كان آمراً لجريدة، وفي كافة معارك الجبل، وحقّق مع رفقائه عمليات ضدّ الجنود الصهاينة، أبرزها زرع عبوات ناسفة في يوم قيامة الرفيقة الاستشهادية سناء محيدلي بعمليّتها البطولية في 9 نيسان، فيما كان جنود العدو ينسحبون من جبل الباروك باتجاه باتر، فتمّ إعطاب أكثر من آليّة.

إلّا أنّ ما يميّز الرفيق أحمد الأشقر في بلدته وجوارها هو تصدّيه البطولي، مع والده، لعناصر من «الأمر الواقع» في الشوف بعد أن كان عاد إلى بلدته التي كان غادرها مستقراً في عاليه.

هؤلاء، وقدّر عددهم بالعشرات، توجّهوا إلى منزله ليسوقونه إلى دار المختارة، فأبى، وهو المقاتل العائد مزهوّاً من انتصاره ورفقائه في شملان، أن يسير معهم ذليلاً، فكان أن سقط ثلاثة قتلى وعدد من الجرحى.

أمضى الرفيق أحمد الأشقر 11 شهراً في السجن قبل أن يخرج منه بمنع المحاكمة، على اعتبار أنّه كان يدافع عن نفسه ضدّ مهاجميه المدججين بالسلاح، وقد توكّل عنه آنذاك المحاميان الأمينان عبدالله قبرصي ومصطفى عبد الساتر.

اقترن الرفيق أحمد من الفاضلة حياة خزاعي الأشقر، ورزق منها 3 شبان و4 بنات، جميعهم أعضاء في الحزب.

تقديراً لنضاله المستمر، منح الرفيق أحمد الأشقر وسام الواجب في 7/1/2005.

لذا كان مأتمه في الخريبة يوم الأحد 13 نيسان حاشداً، وفيه ألقى الأمين الجزيل الاحترام معضاد نجم كلمة رثاء بليغة.

* * *

كلمة الأمين معضاد نجم

عمر الإنسان لا يُقاس بعدد سنيّ حياته، بل بقدر ما أنجز وأعطى، فالسنوات تمضي ولا يبقى لها في سجلّ الذاكرة إلّا الحدث الذي يروي حكايات العزّ ومواقف الكرامة، أو يحكي مظاهر الذلّ والخذلان والهوان. والأعمال المجيدة تبقى مطبوعة في سجلّ الذاكرة لا يموها مرور السنين، لأنّها غدت كالوشم على جبين الذاكرة.

وفقيدنا اليوم أبو جهاد أحمد الأشقر ابن هذه البلدة العريقة، تعرّفتُ عليه في عاليه منذ أكثر من أربعين عاماً، وعرفت فيه الصدق والوفاء، فكان نعم الجار والصديق الوفي. فقد كان وفياً لعائلته الصغيرة محباً لأبناء مجتمعه متحمّساً للمصالح العامة، وقد آمن بقضية نهضة الأمة ومارس قناعاته بكلّ إيمان وشجاعة. إنّ هذه النهضة لا يمكن أن تحصل إلّا إذا كان مجتمعنا موحّداً، فإنّ أخطر ما يواجهنا التمزيق الداخلي، حتى إذا ما هدأت النفوس واستقرّت الأمور وراح تجّار الطائفية يبثّون نار الفتنة، فهم أشبه بالذين يتجاذبون السفينة التي تتقاذفها الأمواج في عرض بحر هائج بدلاً من قيادتها نحو برّ الأمان.

وتبقى النتيجة انهيار الوطن في بحر لا قرار له. إنها العودة إلى عصور الظلم والظلام، وانسياق وراء الغرائز والمصالح الرخيصة التي يستغلّها حاقدون، وتنكّر لأبسط قواعد الولاء للوطن، وتجاهل لقيم الحق والخير، تلك القيم التي آمن بها فقيدنا الراحل أحمد الأشقر، وثقوا بأنّه عندما يصبح الولاء لأفراد ينفذّون مآربهم على حساب الوطن ويقدّمون مصالحهم الخاصة على مصلحة البلاد والعباد، فاقرأ على الوطن السلام.

قد يتساءل البعض ويحمد ربّه بأنه كفّ عن الناس خيره وشرّه، فهو غير معني وغير مشارك بما يجري ويُحاك على هذا الشعب، وفي حسابه أنّه لا يقدّم ولا يؤخّر في المعادلة، فهذا شأن من تخلّوا عن دورهم في دورة الحياة الاجتماعية والسياسية.

وأمّا فقيدنا أبو جهاد، فقد أبى إلّا أن يثبت وجوده ويمارس حقّه في المواطنية، وماضيه يشهد له بجرأته وصلابة مواقفه، صلابة سنديانة هذا الجبل العنيد، فلم يعرف الخوف طريقاً إلى قلبه، وهذه صفة المناضلين والمؤمنين بربهم وبوطنهم. هذا الوطن الذي كان وما زال محطّ أنظار الغزاة والطامعين به، وتلاعبت به أهواء وأنانية السياسيين حتى وصلنا إلى الحالة التي نحن فيها، ولم تعد البلاد تتحمل شبابها فتركوها وراحوا يبحثون في بقاع الدنيا عن لقمة العيش.

وفقيدنا من الذين ذاقوا مرارة الغربة، ففي عزّ شبابه سافر إلى الخليج كي يؤمّن عائلته ويوفر لها حياة كريمة لائقة، كما عمل في العراق، هذا العراق الذي كان الأمل لنجدة أي بلد عربي بات اليوم بحاجة لمن ينجده ويخلّصه من براثن الصهاينة والأميركان. ولنفس الغاية قصد فقيدنا ليبيا، وما أشبه اليوم بألبارحة فلربما كل أسرة من مجتمعنا اللبناني لها شباب توزّعوا على أقطار الدنيا، آملين أن يعودوا وأكفّهم مليئة بالخيرات ليساهموا في إحياء هذا الوطن المعذّب.

وإذا كنّا نفتقد البدر في الليلة الظلماء، كذلك فإننا نفتقد الرجال الرجال في المحن والصعاب.

حقاً يا أبا جهاد، لقد كنت صادقاً في معتقدك وفيّاً لمبادئك، فما غرّك الترغيب ولا أخافك الترهيب، بل مارست قناعاتك بكلّ شجاعة، وهذه صفة الرجال الصادقين.

وإني أستلهم لفقدك بعض الأبيات الشعرية، معتذراً من الشعراء كوني لست شاعراً.

أبٌ ورمـــــــــــــــز الأبوات قصّتـــــــــــه

بيض الأيادي يحكي سرّها الولد

صلابة من عتيق السنديانة لها

من صفوة المؤمن الأحلام والرشد

سفينة العمر تجري في خمائله

ومن شمائله الإيمان والزهــــــــــتد

هناك في الأفق الشوق البهيّ الصدى

في العقل والقلب حين الحب يتحد

كنت المناضل والإيمان قصته

وشاهد الحقّ حين الحق يعتمد

شممت فيك وقوف العز في زمن

قلّ الوفاء وقلّ العزم والجلد

أنت الرفيق وأنت الصدق في مثل

عند الشدائد أنت العزم والسند

 

هوامش:

1 – الأمين معضاد نجم: من بلدة «الرملية». تولّى مسؤوليات عديدة في منفذية الغرب»، منها ناظر إذاعة ومنفذ عام. كان مربياً معروفاً وأديباً، إلى مناضل قومي اجتماعي عنيد في إيمانه وتجسيده نهج النهضة في حياته الحزبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى