حديث الجمعة

ليست مئة سنة بل سنة أعيدت مئة مرّة

مع مرور مئة سنة على إعلان لبنان الكبير ببيان فرنسي، احتفالية لبنانية وفرنسية بالمناسبة، بينما لبنان يعيد الكرّة بحثاً عن إعلان فرنسي مشابه، في ظل اعتراف اللبنانيين مباشرة أو مواربة بعجزهم عن إدارة شؤون بلدهم بأنفسهم، لا بل حتى عن عجزهم عن مجرد عقد اجتماع على مستوى القادة السياسيين من دون دعوة فرنسية، أو كما قبل سنوات غير فرنسية.

الشعارات التي ينقسم اللبنانيون حولها اليوم تشبه تلك التي تموضعوا على ضفافها يوم إعلان الجنرال غورو لدولة لبنان الكبير، بين دعوة لجعل لبنان محمية دولية غربية على المتوسط لا مكان لها في صراعات المنطقة وهمومها واهتماماتها، وبين تمسك بهوية استقلالية تسعى لامتلاك أسباب القوة، وقد تغيرت المنطقة نفسها ولبنان بصورة متعاكسة، فالمنطقة صارت أشد رخاوة في التمسك بقضاياها في زمن التطبيع، ولبنان صار مصدر قوة في زمن المقاومة.

كان المشروع السياسي اللبناني قبل مئة سنة يقوم على فرضية القدرة على صناعة مشتركات تتيح تحوّل الفكرة الوطنيّة إلى مجموعة حقائق غير قابلة للكسر والتفكك، وتظهر المواقف والانقسامات بعد مئة سنة أن اللبنانيين مختلفون حتى في مشاعرهم بأنهم أبناء وطن واحد لهم هموم واحدة واهتمامات واحدة، يحزنون ويفرحون للأسباب ذاتها، فيما تبدو الدولة التي أسسوها عاجزة ومفككة ينخرها الفساد وتمزقها الطائفية، ويبدو الوطن اللبناني مشروع هجرة مفتوحاً وحرباً أهلية تنتظر شرارة داخلية أو خارجية لتنفجر.

المشكلة أن لبنان الذي كان يسعى للنضوج كمشروع وطن ومشروع دولة قبل مئة سنة، يبدو اليوم غير ناضج كوطن، ولا كدولة، ولكنه أيضاً غير ناضج للتقسيم ولا للحرب الأهلية ولا للسلام الأهلي، ويبدو مَن في الحكم كما المعارضة بمستوى المراهقة والعجز ذاته وصوت الانتقادات المرتفع لا يعبر عن مشروع تغيير، بل عن مجرد قشرة تغلف العصبيات الكامنة كجمر تحت الرماد، ويبدو التغييريون في غالبهم جماعات تابعة للسفارات أو مجرد حالمين هواة بلا حول ولا قوة.

الثابت المستمر منذ مئة عام هو استسهال استدعاء الأجنبي، والفساد العابر للطوائف والمشاريع السياسيّة، والاهتمام الخارجيّ النابع من إدراك حجم ما يختزنه هذا البلد الصغير من مصادر قوة ومقدرات، وأهمية الموقع الاستراتيجي، مقابل إتقان الأغلبية الشعبية للبقاء على إدمان المتلازمة اللبنانية المتمثلة بثنائية الغضب والشكوى من جهة والتبعية للعصبية في ذات الوقت.

روى لي صديق مرة أنه كان كمهندس يدير شركة كبرى يسعى لاختبار مهندس متقدّم بطلب للعمل، فسأله عن سنين خبرته فقال له إنها أكثر من عشر، فطرح عليه سؤالاً بديهياً لمن عمل سنة في هذا المجال، فوقف عاجزاً عن الجواب، فقال له، أنت يا عزيزي لا تملك عشر سنوات خبرة، بل بالكاد سنة واحدة أعدتَها عشر مرات، وها نحن بعد مئة سنة نكتشف أننا لم نكتسب خبرة مئة عام في بناء وطن ودولة، بل بالكاد أمضينا سنة وها نحن نُعيدها للمرة المئة.

ناصر قنديل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق