الوطن

حكومة طبخة بحص لن تنضج إلا بمعجزة وقد ولى عصر المعجزات

} علي بدر الدين

ربما بالغ اللبنانيون في إبداء التفاؤل بتشكيل حكومة نوعية مختلفة بالطريقة والشكل والمضمون والفاعلية عن كل الحكومات السابقة التي تشكلت في لبنان منذ إتفاق الطائف ايّ منذ ٣٠ سنة. سرّ هذا التفاؤل ومصدره تمثل في زيارتي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان بعد انفجار المرفأ الكارثي والفاجعي في الرابع من آب الماضي، والمواقف التي أطلقها أمام ممثلي القوى السياسية والسلطة الحاكمة، حيث اعتبرها البعض، بمثابة برنامج عمل لإنقاذ لبنان من أزماته ومشكلاته وديونه وإفلاسه، بتفاهم وتوافق مع الطبقة السياسية بكلّ مكوّناتها.

الخطوة الأولى في رحلة الإنقاذ تبدأ باستقالة حكومة حسان دياب، وتشكيل حكومة جديدة، وتكليف سفير لبنان في ألمانيا الدكتور مصطفى أديب بتشكيلها. وهذا ما تحقق بسرعة غير معهودة في لبنان، وكأنه كان مهيئاً والعين عليه لتولي هذه المهمة في ظروف صعبة ومعقدة. غير أنّ السحر الفرنسي سرعان ما فعل فعله، واستبشر اللبنانيون خيراً، بأنّ المبادرة الفرنسية ستكون برداً وسلاماً عليهم، وأنّ العراقيل والتعقيدات والخلافات على الحصص ونوعية الحقائب، وخاصة ما يسمّى منها بالسيادية التي ستلغى من قاموس الطبقة السياسية، الطائفية والمذهبية والزعائمية. وأنها ستلتزم بما تمّ الاتفاق عليه مع الرئيس الفرنسي لجهة الإسراع بعملية التشكيل، ولو اقتضى الأمر عدم المشاركة في الحكومة، وهذا ما أعلنته قوى سياسية وازنة وفاعلة.

مما زاد من منسوب التفاؤل وإضافة جرعات أمل، بأنّ الآتي من الزمن قد يكون أفضل وينقل لبنان إلى ضفة أخرى تكون أكثر أماناً واستقراراً ومعالجات جدية، وإنتاج حلول، علها تخرجه من معاناته ومآسيه وفقره والبطالة التي تقيّده وجعلت من كلّ فرد منه عالة على أسرته والمجتمع.

ظنّ اللبنانيون عن خطأ أو سوء تقدير أو عن رغبة جامحة بالإنقاذ قبل فوات الأوان، أنهم في ظلّ المبادرة الفرنسية أمام معادلة جديدة لم يعهدوها من قبل، هي أنّ السرعة في التكليف تعني السرعة في التأليف، وأنّ مهلة الأسبوعين كافية لأن تبصر الحكومة النور، وهي جاهزة ومعلبة، ولا تحتاج إلا إلى توقيع من رئيس الجمهورية.

غير أنّ رياح بعض القوى السياسية والرسمية لم تجر كما يشتهي عراب التكليف والتأليف، ويبدو أنه غير مطلع على المثل القائل: «في السرعة الندامة وفي التأني السلامة»، أو أنه يجهل التعقيدات اللبنانية، السياسية والطائفية والمذهبية، والمصلحية. أو أنّ الرئيس ماكرون اعتبر أنّ صمت بعض القوى السياسية والرسمية على ما قاله أو طلبه أو تمنّاه وأمله، «علامة الرضا» والقبول والالتزام «على العمياني». ولكن «راحت السكرة وإجت الفكرة» بأنّ المبادرة الفرنسية، وخاصة ما يتعلق بتشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب لم تكتمل عناصرها الميثاقية، وهذا يعني انقلاباً بالموازين الطائفية والمذهبية التي يحكم من خلالها لبنان أقله منذ الطائف.

زاد الطين بلة الطريقة التي اعتمدها الرئيس المكلف في مقاربته لعملية التشكيل واختيار الأسماء وتوزيع الحقائب، حيث برأي بعض القوى السياسية تجاوز الكثير من الأسس والقواعد والشكليات والأعراف التي تسبق التأليف أو تواكبه، وكأنه قادم من كوكب آخر ولا يعرف الرمال السياسية والطائفية والمذهبية المتحركة في لبنان، وإلى أين تؤدي إذا تمّ الخروج عن سكتها ومسارها، مع أنها غير ملزمة ويجب اجتثاثها من جذورها. ويبدو أنه لم يحن أوانها بعد، ولا بدّ من الاعتراف بهذا الواقع المر والخطير، الذي نجح النظام السياسي الطائفي والمذهبي والمصلحي في ترسيخه سياسياً وشعبياً بانتظار زواله.

حاول الرئيس المكلف إسقاط حكومته التي شكلها من عندياته أو من خلال تنسيقه فقط مع رؤساء حكومات سابقين، معتمدا على السوط الفرنسي وتلويحاته بكشف أوراق مستورة تفضح الطبقة السياسية، وهي باتت كسيف مصلت على الرقاب، إذا لم تنفذ ما تمّ الاتفاق عليه، وخاصة ما يتعلق منه بتشكيل الحكومة الذي سيحصل عاجلاً أم آجلاً، بولادة طبيعية أو قيصرية، وعلى يد قابلة فرنسية.

لم يكن مفاجئاً انتهاء المهلة المحدّدة من دون هذه الولادة، لأنّ الرئيس المكلف اصطدم بأكثر من عقبة كان يمكن أن يتفاداها او بعضها على الأقلّ، ويسهّل عليه مهمة التأليف، ولكنه لم يجد خياراً سوى الأخذ بالتوجيهات الفرنسية وتمديد المهلة، وإعطاء فرصة قصيرة جداً تمتدّ الى غد الخميس. على أمل النجاح بفكفكة العقد التي تعيق من وجهة نظر البعض تشكيل الحكومة، والخروج بتسوية تقلل من الخسائر والتداعيات، وترضي الأطراف التي تعتبر أنّ التشكيلة  أو الخلطة الحكومية السرية والمقفل  عليها بإحكام تخالف الميثاقية، بعد أن كانت على قاب قوسين أو أدنى من الولادة، يعني أنها وقعت بعد أن «وصلت لقمة الحكومة إلى الحلق».

ماذا لو عبر يوم غد الخميس من دون إصدار مراسيم تشكيل الحكومة؟

هل ستمدّد المهلة مرة ثانية وربما ثالثة ويطول حبل التشكيل؟ وفي حال فشل الرئيس المكلف، هل يستقيل أم يمدّد لنفسه أيضاً؟ وماذا عن الموقف الفرنسي، هل يبقى متفرّجاً، أو يعتذر عن عدم استكمال مبادرته، أو أنه يلجأ إلى هزّ عصاه والتلويح بفضح ما يختزنه من أسرار ومعلومات؟

وهل سيبقى لبنان وشعبه في قبضة حكومة تصريف الأعمال إلى حين تشاء الطبقة السياسية؟

إنها حكومة «طبخة بحص» لن تنضج إلا بمعجزة وقد ولى عصر المعجزات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق