الوطن

صراع مفتوح بين «لبنانَين اثنين»
وليس بين طوائف

} د. وفيق إبراهيم

الطوائف اللبنانية مجرد آليات في خدمة القرار الخارجي، كما تؤكد المعطيات التاريخية منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن.

ربطاً بهذه الأدلة الواضحة تجب قراءة المشروع الاميركي في لبنان بعمقه الفعلي الذي يريد وقف حركة التاريخ اللبناني، وإعادتها بالتالي الى «لبنان الكبير».

أما الأسباب فصارخة، وتتمركزُ في التغيير الذي نقل لبنان الكبير من حالة الاستتباع للمشروع الغربي الى مرحلة مقاومته وحصاره داخل لبنان وخارجه، فكاد لبنانٌ جديدٌ ان يخرج الى الحياة السياسية الداخلية والاقليمية بإمكانات وازنة منتجاً بلداً بإمكانه ممارسة استقلالية في ادارة شؤونه الداخلية وقوة في ردع الكيان الإسرائيلي المحتل وإجهاض مطامعه في المياه والارض وموارد الطاقة.

هذه المقاومة التي تتصدى لـ«اسرائيل» تضرب الإرهاب أيضاً وتجابه المشروع الاميركي في سورية ولبنان معاً، ولها آثارها الثقافية في العراق واليمن وفلسطين.

هذا الفارق بين لبنان الكبير بالاسم والصغير في كل شيء وبين مشروع لبنان الجديد الموصوف بتجذر منذ أربعة عقود تدريجية بدماء عشرات آلاف الشهداء من كل الطوائف والمناطق. هذا الفارق نوعي ووطني فعلياً معتبراً ان الحاق هزيمة بالقرار الخارجي الاميركيالاسرائيلي هو الوسيلة لانتاج بلدان عربية جديدة، تتأسس لخدمة شعوبها في سعيها للحريات الوطنية والسياسية الاقتصادية.

هذا من الأسباب المركزية التي جعلت حركة التغيير التدريجية في لبنان تنتقل من اطار الخلافات السياسية والطبقية في الإطار الداخلي الى الالتزام بمشروع تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي وسحق الإرهاب المهدد لسورية وبالتالي لبنان.

فالمعروف تاريخياً أن الانتصار على العدو الخارجي يؤدي تلقائياً الى ولادة نظام سياسي جديد، لكن هذا العدو الخارجي يرتدي حيناً لبوساً اسرائيلياً وأحياناً أزياء إرهابية وفي مجمل الأوقات يلعب دور طاووس أميركي يختال في بقاع الأرض لسرقة موارد شعوبها.

هذا ما يؤكد على ارتباط عملية التصدي للأميركيين من اليمن الى لبنان عبوراً بالعراق وسورية، فيحتاج التغيير الفعلي في لبنان الى موازنات قوى اقليمية داخلية.

هناك تيار لبناني كبير اعتقد نتيجة لانتصارات المقاومة على «اسرائيل» والإرهاب بإمكانية احداث نقلة نوعية داخلية من درجة نظام طائفي متجذّر ومستتبع هو لبنان الكبير الى مرحلة لبنان مدني متحرر يستند الى خصوصيات وطنية للبناني متحرّر وليس لانتماءاته الطائفية والمذهبية.

هذا ما أثار غضب القرار الخارجي الذي أصبح أميركياً بشكل كامل مع بعض الحنين الى فرنكوفونية متراجعة النفوذ أوروبياً ودولياً.

كما اغضب مرتكزات النظام الطائفي الداخلي للبنان الكبير، فانكشفت وهي التي كانت منذ اشهر قليلة تنادي بمدنية لبنان.

فعادت للغة الاحتراب الطائفي كوسيلة لوقف تطور النظام السياسي اللبناني نحو المدنية، فهي ترفض اي تحديث للنظام الطائفي المتخلف الذي انتجه لبنان الكبير.

وتتمسك في آن معاً بالولاء للخارج الاميركي مع بعض الحنين الى فرنسا.

بشكل عملي بدأ حزب المستقبل السعودي مستعجلاً عودة النفوذ الاميركي الى لبنان حتى أصبح قائده سعد الحريري موزع الولاءات بين الاميركيين والفرنسيين ساعياً الى إرضاء السعوديين، كذلك فان قائد الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي أيّد مدنية الدولة منذ شهر فقط، عاد الى التقوقع ضمن جناحه الطائفي باذلاً جهوداً جبارة لمعالجة الخلل الذي يعيد إنعاش النظام الطائفي.

وهكذا بعث جنبلاط عبر قنوات سرية نصائح فيها عبق طائفي تاريخي تقول للأميركيين والفرنسيين بأن لا امكانية لاستمرار لبنان الكبير إلا بإرضاء «الشيعة»، فيجري بذلك استيعابهم ضمن النظام الطائفي في رحاب لبنان الكبير لقرن جديد ينتهي في 3020 أو اقل بقليل.

إلا ان مجمل هذه التحركات لم تشكل وقوداً كافياً للدفاع عن لبنان الكبير، فكان نيافة الكاردينال الراعي آخر الأوراق المستهلكة لإنقاذ إنتاج صنعته كنيسته بالتعاون مع المحتل الفرنسي في 1920.

إن الطريقة التي وجه بها الكاردينال رسائله كانت من القسوة بحيث كان المفترض ان تستثير ردود فعل طائفية عنيفة من الشيعة، لكن الردود عليها جاءت متوازنة ولم تتجه الى توتير الشارع الطائفي.

لقد ظهر بوضوح أن القوى الداعمة للنظام الطائفي هي السياسة الحزبية وفئات الكهنوت المسيحي والإسلامي ترفض جذرياً انتقال «لبنان الكبير» الى لبنان المتوازن، وتصاب بجنون إذا سمعت لأكثر من مرة مطالبات بلبنان مدني.

وكما ان هناك أحزاباً طائفية مؤيدة للبنان الكبير عند السنة والدروز والموارنة والكاثوليك، فهناك ايضاً مؤيدون له عند الشيعة، لكنهم يطالبون بالتوازن المذهبي المفقود ضمن معادلة لبنان الكبير.

الأمر الذي يظهر ان لبنان المدني الفعلي هو المشروع الذي تتبناه قوى لبنانية قاتلت «اسرائيل» والقوات المتعددة الجنسية ولا تنتمي الى فئة القوى الاقتصادية المهيمنة على الدولة والمجتمع.

بذلك يتبين ان هناك ثلاثة مشاريع: الأول هو تجديد لبنان الكبير على اساس هيمنة خارجية اميركية مع جماعاتها من الأحزاب الطائفية الداخلية، والثاني هو تحديث النظام الطائفي بتحقيق توازنات مذهبية في آلياته، أما الثالث فهو لبناني عام يريد الدولة المدنية القادرة على التصدي لـ«اسرائيل» والهيمنة الاقتصادية على اللبنانيين في اطار دولة منتمية الى إقليمها وتستطيع الدفاع عن نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق