ثقافة وفنون

سموقان… الفنان اللغز

نظام مارديني

وأنا أتابع أعمال الفنان الكبير «سموقان»، وفكفكت ألغازها، في الفكرة واللون والشخوص. أرى أن الفنّ التشكيلي يعتبر لدى هذا «الفنان اللغز» نشوءاً جديداً على الدوام. الفنّ لديه إبداع.. فإذا كان ضوء النجم البعيد الذي اكتشفه العلم موجوداً قبل اكتشافه. فإن الضوء الذي يلقيه «سموقان» علينا، فقد أبدعه بنفسه في اللحظة عينها. فلولاه ما كان لضوء اللوحة هذه أن يولد.

يقول الناقد الفني جيمس إلكنز: «اللوحات ألغاز نجد أنفسَنا مُجبَرين على حلّها من أجل أن نخفف عن أنفسنا ونستريح من بعض مظاهر الحيرة في هذا العالم». لهذا، يجب أن يعزز التشكيل  تفرّد القارئ لها، العارف للإبداعات الخاصة غير المتكرّرة في العلم، فما يقرأه شخص في الغرب في مجال علمي، هو عينه الذي يعرفه الآخر في الشرق. لكن الفن التشكيلي ذاتيّ الخلق، ذاتيّ الأثر. ولو تشارك الكثيرون في قراءة لوحةٍ، لما خرجوا بالدلالات نفسها كما يحصل لهم عند دراستهم مبحثاً علمياً بالكفاءة نفسها. يقول هيرمان هسه: «الغريب مع الحب، وكذلك مع الفن، أنه قادر على القيام بما لا يمكن لأي تعليم، أي فكر، وأي نقد أن يقوم به. إنه يربط بين ما هو أبعد، ويُجاور بين الأقدم والأحدث. يتغلّب على الزمن عن طريق ربط كل شيء بمركزه الخاص. هو وحده يمنح الأمن، وهو وحده على حق؛ لأنه لا يريد أن يكون على حق»!

تعلمنا مع «سموقان» علم الإنصات.. فتأمل أعماله تجربة صاخبة بالصمت. فاللوحة لحظة صمت طويل. إنها كالصورة، تجربة في الصمت. الرسامون أبناء الصمت، والمصوّرون أبناء الصبر. وقراءة اللوحة تجربة في الصمت: القارئ صامت، والمتلقي صامت، والرسام صامت.

علمنا «سموقان» أن الأثر لن يكون مستداماً إلا إذا أخذت العين حقّها من النظر، لأن «العين عمياء عندما تتحرك، وهي ترى عندما تقف»، كما قال الفيلسوف والمؤلف الأميركي مورتيمر أدلر، فالقراءة العابرة للوحة.. أي لوحة، لا تترك إلا أثراً عابراً. وربما احتجنا إلى تكرار النظر، لأن «في إعادة القراءة ما يوقف الخيال ويخصب القارئ فيكتب بدوره ويبتكر».

أخيراً، أود أن أختتم بما قاله جورج إليوت: ‏»إن لم يوسّع الفنّ حدود التعاطف الإنسانيّ، فلا نفع له من الناحية الأخلاقية».

وهنا لا يسعني إلّا أن أتوجه بالشكر للفنان سموقان، فهو حالة خاصة لا يشبهه فيها أحد في الوسط الفني، ويستحق أن يُكرم في وطنه يوماً، ونرجو ألّا يكون بعيداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق