الوطن

هذه هي أسرار المدرسة التي ينتمي إليها حزب الله

 السيد سامي خضرا

منذ اليوم الأول لظهور حزب الله العَلَني على الساحة اللبنانية أواسط الثمانينات، كان يحمل مخزوناً ثقافياً وأخلاقياً ومَسلكياً وإنْ لم يظهر ذلك بوضوح لمَن لا يعرف بيئته.

فالتجربة العلنية جديدة، والحضور في الساحات السياسية والجهادية كان غضّاً طرياً.

لكن بعد سنواتٍ من العمل الحثيث خاصةً عندما دخل حزب الله في العمل السياسي اللبناني مطلع التسعينات ظهرت صورٌ جديدة على ساحة العمل السياسي والجهادي قدَّمها حزب الله وفيها الكثير من القِيَم التي لم تكن معروفةً أو سائدةً على الساحة اللبنانية.

اللهم إلا لدى حالات فردية خاصة كالجديَّة والنزاهة والترفُّع والمبدئية والبُعد عن المَظهر والبَهرجة

منذ ذلك الحين وبعد مرور العقد الأول على هذه التجربة بَدا واضحاً أنّ حزب الله يُقدم تجربةً جديدةً فريدةً على الساحة.

كان المُنتظر أو الطموح والتمنِّي أن تُعمَّم هذه المدرسة، لكن شياع الأحقاد والنَّفعية وغلبة المصالح الشخصية على الساحة اللبنانية حالت دون ذلك.

ولكن حزب الله بقيَ وهذا من الطبيعي مُخلِصاً لمدرسته مُحافظاً على وتيرة إغناء الساحة بمزيدٍ من التضحيات والعطاءات والإيثار والوفاء والأدبإلى آخر المنظومة الأخلاقية التي ينتمي إليها.

لِذا كُنا دائماً عندما نسمع كلاماً أو خطاباً للأمين العام لحزب الله نتلمَّس هذه الفَرادة ونشعر أننا أمام نوعيةٍ جديدة من البشر في طريقة كلامها وفي أسلوب اعتراضها وفي مبدئية حَسْمها وفي سِعَةِ أدبها وفي التزام أخلاقها وفي نقاوة شرفها وفي حُمرة حيائها وفي انحناء سُنْبُلتها عند شموخ انتصارها وعند الرضا بقَدَرها وفي العَضِّ على جراحها وفي التجاوز عن مظلوميَّتها وفي ضبطِ شارعها وفي عظمةِ مواثِيقها وفي قُدسية عهودها وفي عظيم زُهدها بمطالبها قياساً مع قدرتها

 وفي تسديد الله تعالى لإبداعاتها كرامةً لإخلاص جماهيرها ونيَّات كبارها ودماء شهدائها وآلام جرحاها وبراءة أيتامها

من هنا لا يستغربنَّ المرءُ ذاك الخطاب المِفْصَلي والتاريخي الذي ألقاه سماحة السيد حسن نصرالله في معرِضِ تعليقهِ على ما نطقَ به الرئيس الفرنسي وهو خِطابٌ يستحقُ أكثر مَن وقفة منا جميعاً كي نَسبُر أغوار المدرسة التي ينتمي إليها حزب الله.

 فَاتَّسَم خطاب السيد باللهجة الهادئة ولكنها في آن حاسمة في مضمونها وفي ردِّها على تجاوزات رئيس الدولة «العظيمة» والمشهورة كما يُقال «بسِحر لياقتها»!

دعوة السيد للالتزام بأدبيات الخطاب أوْقَعَتْ فرنسا وتاريخها وعَنجَهيَّتها في ورطة كان الجميع يسكت عنها، لكن مبدئيات السيد حسن نصرالله جعلتهُ يضع لها حدوداً بل ذكَّر «فخامة الرئيس» بصِدقنا ووعودنا وعظمة وفائنا كما أظهر له عورات دِيمقراطيته ثم استدار به لعله يُبصر جيداً مَن معه ومَن عليه!

كما رَفَضَ وبطريقةٍ غير مسبوقةٍ في أوساط السياسيين أن يُطلِق «فخامته» كلماتٍ غير لائقة فأدان هذا الاستعلاء ورفضَ لغوَ الاتهام وجَوَّفَ عنجهية المُستعمِر وأخْجَلَه بأن جعلهُ «صديقاً» ثم أفهمه بأنه لا تفويض لك!

ثم وضع النقاط على حروف أسلوبه وطريقته وتجاوزاته وحذَّره من أنّ هذه الطريقة من التعامل لن توصلك إلى ما تُريد.

وختم بأنه: إذا أردتَ أن تلعب دوراً فعليك أن تلتزم بحدّ أدنى من الأدب، وإلا فإنك سوف تخرج من الباب المُقابِل للذي دخلتَ منه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى