الوطن

لبنان بلد «مفاوض» ماذا يعني ذلك.. وما دور برّي؟

} روزانا رمّال

معروف عن الدول الكبرى عدم خضوعها لحسابات خارج هيكليتها وخريطتها «المصلحيّة»، كيف اذا كان الأمر يتعلق بصورتها بفرض شروط سياسية على دول العالم الثالث الذي يتوجب عليه دائماً أن ينزل عندها.. وإلا..

النموذج العراقيّ أكبر الأطر التي تشرح هذا الخيار وهو رسم بياني لكل ما يدور في ذهن الدول الكبرى. فالولايات المتحدة الأميركيّة ولحظة إعلان ساعة الصفر المتمثلة بضرورة وضع اليد على النفط والسياسة في بغداد استقدمت تعزيزاتها العسكرية وتوجهت نحو الاجتياح عام 2003 كخيار ضامن قادر على تأمين قواعد عسكرية تسيطر على حركة النفط الذي كان أبرز المعنيين بشركاته في ذلك الوقت الرئيس جورج بوش وديك شيني.

المصلحة الأميركية العليا لم تكن تسمح باستشارات من هنا او هناك او محادثات مع الخليج ودول الجوار من أجل التقدم نحو هذا الخيار «الاجتياح» الذي صار ضرورياً بعد تحرير جنوب لبنان عام 2000 وبداية اولى الهزائم الاسرائيلية في الشرق، وبالتالي الحضور الأميركي الى المنطقة صار من المسلمات بمواجهة إيران، فقضي الامر.

الدول الكبرى وضمن المعايير نفسها لا تزال تتعاطى في اغلب النزاعات الدولية مع تبدل بالشكل من دون تغيير المضمون فبين حليف ووكيل اندلعت حروب واشتباكات ونزاعات في مناطق الثروات الطبيعية والنفطية وممرات ومضائق تجارية بحرية من اليمن فالسودان فليبيا وصولاً لسورية، حيث خط الأنابيب المتنازع عليه بين محور روسي تركي وأوروبي لمستقبل طويل يرسم شكل مستقبل المنطقة.

وحده لبنان الذي يرى فيه الأميركي الأقرب استراتيجياً على «إسرائيل» والأخطر بنيوياً لجهة وجود صراع عقائديّ ووجوديّ بين «إسرائيل» وحزب الله يتجسّد بوجود ما يعرف بسلاح غير شرعي بالنسبة للأميركي لم تطبق فيه هذه الشروط ولو لمرة واحدة! مع العلم أن الأخطر من الخروج عن الدولة هو ارتجال حروب بحجم فوضى تعيشها في المنطقة قادرة على قلب الطاولة ولكن

عشر سنوات من النزاع حول ترسيم الحدود البرية بين لبنان و»إسرائيل» لم تصل لنقطة اللاعودة على الرغم من كل تعقيداتها التي تتحكم فيها ثوابت الطرفين وسنوات أيضاً عقبها موفدون للحديث عن ترسيم الحدود البحرية لم توصل الى مرحلة فرض امر واقع أميركي باسم الاسرائيليين في لبنان، كما يُنتظر من دولة عظمى..

الخارجية الأميركية التي ركزت في فريق الرئيس دونالد ترامب على دبلوماسيين مخضرمين يعرفون لبنان جيداً مثل دايفيد ساتيرفيلد الخبير بالشؤون اللبنانية والعراقية والاسرائيلية والذي يعرف مسار الامور في ملفات النفط في العراق وهو اليوم سفير لبلاده في تركيا، وعلى مساعده الاقل خبرة، لكن الأكثر ضرواة في النقاش مساعد وزير الخارجية دايفيد شينكر ووكيل الوزارة الدبلوماسي دايفيد هيل واظبا لأكثر من 3 سنوات على زيارة لبنان واللقاء بمسؤوليه من رئيس الجمهورية الى رؤساء الحكومات ورئيس مجلس النواب للحديث عن ضرورة فض هذا النزاع والنزول عند الشروط الأميركية التي تتمثل بشكل غير مباشر بانحياز طبيعي للجهة الاسرائيلية، فكان ان توالت الرسائل من لبنان لواشنطن وتل أبيب وبدأت مع هذه المرحلة أزمات لبنان الكبرى ومن ضمنها فترة الحراك في 17 تشرين الاول عام 2019.

أبرز الرسائل التي وجهت كانت عبر أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله للاعبين الدوليين، خصوصاً عبر روسيا وايران ان على واشنطن ان تحذر من اللعب بالنار وأن أي شركة تنقيب ستتقدم كأمر واقع باتجاه الثروة الغازية او النفطية اللبنانية ستعرّض نفسها للخطر إذا لم يتم حسم ما يحفظ حقوق لبنان.

واحدة من المفارقات كانت الضغط على رئيس مجلس النواب نبيه بري وهو «الصديق» للولايات المتحدة والذي تتعاطى معه بشكل مميز وتربطه بها علاقة تاريخية ودبلوماسية طويلة والسبب أن بري أخذ على عاتقه هذا الملف، معتبراً أنه «قضية القضايا» وانه لا يمكن التنازل في ما يتعلق بمسألة ترسيم حدود برية تقتح الجنوب اللبناني امام مخاطر ولا حدود بحرية تنهب حق قد يكون الأمل المتبقي للبنانيين للنهوض.

 تؤكد مصادر متابعة لـ«البناء» ان اغلب زيارات الوفود الأميركية كانت تثير غضب واشنطن نظراً لتمسك بري بمبادئ شكلت بالنسبة اليها مفاجئة، خصوصاً ان المعروف عن بري بدبلوماسيته امكانية تدوير الزوايا الا ان المشهد انقلب بشكل مفاجئ واعلن انه رأس حربة المشهد. فبدأت الرسائل الأميركية تنهال عليه وعلى مؤيديه وعلى الثنائية السياسية التي تربطه بحزب الله كائتلاف واحد بدءاً من العقوبات على مصرف الجمال وصولاً الى التضييق على رجال أعمال شيعة في كل العالم حتى وقع كبش الفداء الكبير في فرض عقوبات على وزير المال السابق علي حسن خليل معاون بري حيث كانت المفاجأة.

لم يحتج اللبنانيون للتفكير بالرسالة المباشرة لبري التي تغلفت بمضمون مكافحة الفساد والتي فيها من الذكاء الأميركي ما يكفي للوصول للنتيجة اليوم الا أن المفاجئة الثانية كانت صمود بري ومعه الثنائي الشيعي من جديد في مسألة التخلي عن الشراكة في الحكومة التي كان من المفترض أن يشكلها السفير اديب فلم يتراجع بعد العقوبات حكومياً فاستعجله الأميركي وسقطت مفاعيل عقوبات علي حسن خليل التي لم تؤسس لترهيب بري وحليفه حزب الله وقبولهما بالخروج من الصيغة التي تؤدي الدور كما أوضح نصرالله في خطابه الأخير حسب رؤية الثنائي لحكومة كانت ستولد من لون واحد.

بدت واشطن في عجلة كبيرة لأسباب رفعت لمصاف «تاريخيّة»، حسب بومبيو الذي يعمل بوفاء كبير من أجل إعادة انتخاب رئيسه ترامب لولاية ثانية جعلت منها تقف عند الطلبات اللبنانية والنجاح بوضع إطار لشكل هذه المحادثات يفتتحها رئيس الجمهورية حسب الدستور بدون أي لبس ويفاوض في الحقوق..

لبنان بلد مفاوض ويفاوض أكبر قوتين في العالم والمنطقة الولايات المتحدة و«اسرائيل» بوساطة أممية. قوتان عجزتا عن فرض «أمر واقع» يسمح بالتعدي على حقوقه وبدون تنازلات، رغم كل التضييق. وهذا في السياسة يرفع موقع لبنان الى مركز سيادي أساسي بعد ما ثبت عدم خضوعه لأي ابتزاز يحرم أبناءه من حقوقه وبدون أدنى شك تدرك واشنطن ان حزب الله قوة ضاغطة في هذا الإطار. فبدون الاتفاق لا يمكن تأمين أرضية تنقيب مؤاتية لقدوم أي شركة من شركات التنقيب الى هذه المنطقة الملتهبة في العالم.

لبنان يفاوض من موقع القوي..!

فكرة المفاوضات وحدها بين جهات كبرى وجهات من العالم الثالث مدهشة لجهة الاعتراف بالوجود والحقوق أصلاً.. فهل كان هذا بقوة السيادة ام بتماسك «الثنائي» وحلفائه؟ وهل ينفرج المشهد ما بعد هذا التطور؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق