أولىكتاب بناء

الأطلسي في القوقاز بعد خسارته المتوسط والخليج…!

 محمد صادق الحسيني

يحاول الأميركي الذي تهشمت صورته الدولية وانكسرت كلّ موجاته المتتالية على بوابات الشام وتخوم بغداد وأسوار صنعاءبعد أن عجز في شرق المتوسط، وفشل في هرمز، فضلاّ عن باب المندب في تحقيق اختراق مهمّ ضدّ محور المقاومة وتحالف القوى المناهضة للأحادية الأميركية

 نقل مسرح عملياته إلى القوقاز عبر مخلبه العثماني لتحقيق الأهداف التالية:

١تحويل القوقاز إلى جسر عبور لقوات الناتو من البحر الأسود الى بحر الخزر لإعاقة دفاعات القوات الروسية عبر نهر الفولغا (خط الدفاع الأول في صدّ أيّ حرب عالمية)

٢محاولة ربط أربيل المتحالفة مع تل أبيب بباكو المتحالفة هي الأخرى مع الكيان الصهيوني عبر الحاضنة التركية الأردوغانية لوضع إيران (شمال غرب) في وضع قوس او هلال يُطبق على القوة الإيرانية الصاعدة حاملة مشروع العبور الى فلسطين لتحريرها.

٣حماية خطوط نقل الغاز الأذربيجانية والطرق السريعة التي تنطلق من باكو عبر جورجيا وصولاً الى تركيا.

واليكم تفاصيل الأهداف المباشرة والبعيدة المدى للعدوان الأميركي الاطلسي (العثماني) الإسرائيلي على القوقاز:

ليست هي المرة الأولى، التي تحاول فيها قوى الاستعمار الغربية السيطرة على منطقة القوقاز، لأسباب استراتيجية واقتصادية، بسبب امتلاكها كميات كبيرة من النفط، في اربعينيات القرن الماضي، مضافاً اليها الغاز في القرن الحالي.

اذ انّ زعيم الرايخ الثالث، ادولف هتلر، قد وقع أمراً عسكرياً، بشنّ حملة عسكرية لاحتلال منطقة القوقاز كاملة، وذلك بتاريخ ٢٨ / ٦ /١٩٤٢، أسماها: الحملة الزرقاء او المهمة الزرقاء Unternehmen Blau  بلغة هتلر الالمانية.

وقد جرّد هتلر لهذه الحملة القوات التالية:

مليون جندي ألماني.

ألف ومائتين وثلاثة وستين دبابة.

سبعة عشر ألفاً وخمسة وثلاثين مدفع ميدان.

ألف وستمائة وأربعين قاذفة قنابل ومقاتلة اعتراضية.

ولكن كلّ هذه القوات عجزت عن تحقيق ايّ تقدم، في المعركة التي استمرت من ٢٨/٦/١٩٤٢ وانتهت بتاريخ ١٩/١١/١٩٤٢، عندما نجحت الجيوش السوفياتية بتدمير كلّ القوات المُشار إليها أعلاه وفرض الحصار الشامل على الجيش السادس الألماني، في منطقة ستالينغراد، ذلك الحصار الذي انتهى بتدمير الجيش الألماني السادس (بقيادة مارشال الدبابات الالماني باولوس) وإبادته بالكامل وتحرير منطقة ستالينغراد.

ان ما يجري حالياً، من عدوان أميركي أطلسي، عبر مشاركة تركيا المباشرة فيه، إسرائيلي سعودي خليجي، ليس سوى نسخة عن حملة هتلر الزرقاء، ذات الأهداف القريبة جداً من أهداف النازية الالمانية، لا بل هي اكثر شموليةً من اهداف المانيا النازية.

نقول ذلك لانّ ما يجري حالياً، من عدوان شامل على جمهورية أرمينيا، عبر الرئيس الأذري، إلهام علييڤ وزوجته مِهربان التي عيّنها نائبةً له، وهما الأكثر فساداً في العالم، لا يمكن وصفه (العدوان) بحربٍ او نزاعٍ بين أرمينيا وأذربيجان وإنما هو عدوان شامل، على منطقة القوقاز وما بعد بعد القوقاز.

اذ انّ هذا العدوان، حسب ما أفادت مصادر استخبارية مختصة ومتخصصة بشؤون القوقاز ومستندة الى معلومات دقيقةٍ، ميدانيةً والكترونية، يستهدف المحاور التالية:

أولاً: إيران.

انّ أهمّ الأهداف الفورية، التي تطمح قوى العدوان الأميركي الأطلسي الإسرائيلي الى تحقيقها، هي جرّ إيران الى حرب إقليمية في منطقة القوقاز وشمال غرب إيران على وجه الخصوص، وذلك لاستنزافها في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. فالقصف المدفعي الذي تعرّضت له بلدة محمد صالح، في محافظة، خدا آفارين Khoda Afarin الحدودية الإيرانية أكثر من مرة، منذ بدأ العمليات العسكرية في منطقة ناغورنو كاراباخ، لم يكن قصفاً عن طريق الخطأ، سواء البشري او الحسابي، بل انه كان عملية قصف مدفعي مبرمج نفذتها بطارية مدافع هاون يديرها ضباط مدفعية «إسرائيليون»، في داخل الأراضي الأذرية، بهدف استدراج ردّ مدفعي إيراني توريطاً للأخيرة. وما التسريبات التي تنشرها المصادر الاستخبارية «الإسرائيلية» والخليجية/ السعودية، حول استنفار الحرس الثوري الإيراني، وتجهيزه لكتيبة مدفعية ميدان وكتيبة دبابات للردّ على مصادر النيران، إلا دليلاً اضافياً على أهداف العدوان.

ثانياً: روسيا.

انّ روسيا اليوم مستهدفةً، تماماً كما كان الاتحاد السوفياتي مستهدفاً آنذاك، خاصة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار قيام الولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي، بضخ آلاف من عناصر داعش المسلحين، عبر تركيا الى أذربيجان، وتسريبها من هناك الى كافة مناطق القوقاز وما بعد القوقاز، ايّ شرقاً باتجاه اوزبكستان وتركمانستان وقرغيزيا وطاجيكستان قرب الحدود الصينيه، ثم شمالاً، باتجاه الجمهوريات الاتحادية الروسية، مثل جمهورية داغستان والشيشان وإنغوشيا وجمهورية شمال أوسيتيا وجمهورية كاباردينو / بالكاريا / وجمهورية الشركس، وكلها جمهوريات من جمهوريات الاتحاد الروسي. الامر الذي يجعل من خلق حالة عدم استقرار دائمة على حدود روسيا الجنوبية، وربما حتى داخل حدودها الجنوبية، أمراً في غاية الخطورة الاستراتيجية، اذ انّ هذا التهديد قد يصل الى دعم المعسكر الأطلسي الأميركي لمحاولات انفصالية في هذه الجمهوريات، كما حدث في بداية تسعينيات القرن الماضي في جمهورية الشيشان، التي شهدت حربين دمويتين فشلت خلالهما المخططات الاميركية في تحقيق أهدافها. وهو ما يعتبر تهديداً استراتيجياً مباشراً لروسيا لا يمكنها السكوت عليه.

اذن، ها نحن نرى أهداف هذا العدوان تصل الى ما وراء القوقاز، ايّ الى هدف تفتيت الاتحاد الروسي وإخضاع جمهورياته للهيمنة الأميركية الأوروبية، حيث لا بدّ ان نرى هذه المخططات مقترنة مع الجهود الأطلسية الأميركية المتواصلة، لضم أوكرانيا وجورجيا الى عضوية حلف شمال الاطلسي، احكاماً لتطويق روسيا الاستراتيحي، نظراً لما تقوم به دول هذا الحلف، من استفزازات مستمرة ضدّ روسيا، من البحر الأسود جنوباً (محاولات طائرات الاستطلاع والقاذفات الاستراتيجية الأميركية اختراق الأجواء الروسية باستمرار انطلاقاً من قواعدها في تركيا ورومانيا وبلغاريا)، وصولاً الى نفس هذا النمط من الاستفزازات، عبر الأجواء الأوكرانية والبولندية واللتوانية وأجواء لاتفيا واستونيا في الغرب، وصولاً الى مدينة لينينغراد، على بحر البلطيق، شمال غرب روسيا.

ايّ انّ كلّ ما ذكر أعلاه يؤكد انّ الهدف، مما يجري في منطقة كاراباخ، هو تحويل القوقاز الى منطقة عدم استقرار دائم، مما يستنزف طاقات روسيا المالية والعسكرية، في ما لو نجحت قوى العدوان، في التمكن من إقامة وتثبيت بنى تحتية قادرة، لداعش وغيرها من المسمّيات الإرهابية، في أذربيجان بدايةً ليتوسع هذا الوجود الى مناطق أخرى في الخاصرة الجنوبية لروسيا.

ولكن ما فشل في تحقيقه الزعيم النازي الألماني عام ١٩٤٢ لن ينجح في تحقيقه أحفاده الأطلسيين وأتباعهم، من صهاينة وأعراب، لا من خلال هذا العدوان الممنهج ولا من خلال التآمر المساند لهذا العدوان، الذي تمثل في مسرحية «تسميم» المعارض الروسي نافالين، التي تتواصل فصولها حالياً، كما تتواصل مؤامرات نفس غرف العمليات السوداء، في إعداد مؤامرة «تسميم» جديدة في سورية، ليس ضدّ معارض سوري بل ضدّ الشعب السوري في محافظة إدلب بهدف اتهام الجيشين الروسي والسوري بتنفيذ الجريمة التي يخططون لها.

ثالثاً: الصين.

وفي إطار ما تقدّم، من معلومات، مقترنةً بقراءةٍ موضوعيةٍ لهذه المعلومات، لا بدّ لنا أن نؤكد على أنّ جزءاً أساسياً من الجهود التخريبية، التي يجري تنفيذها في جنوب القوقاز، عبر إشعال فتيل الحرب في منطقة كاراباخ، موجه ضدّ جمهورية الصين الشعبية بشكل مباشر أيضاً، وذلك للأسباب التالية:

1 ـ عجز الولايات المتحده ودول حلف شمال الأطلسي معاً، ليس فقط عن مواجهة الصين عسكرياً فحسب، وإنما عجز واشنطن وحلفائها في الاتحاد الأوروبي حتى عن منافسة الصين اقتصادياً، الأمر الذي سيؤدي بالضرورة وبصورة مجردة تماماً الى تربّع الصين على عرش العالم خلال سنوات قليلة. وهو ما يعني إنهاء الهيمنة الاستعمارية الأميركية الأوروبية في العالم أجمع والى غير رجعة.

وبالنظر الى انّ مشروع طريق الحرير الصيني هو أحد أهمّ ركائز سياسة الصين الدولية، على الصعيد الاقتصادي وبالتالي السياسي والعسكري مستقبلاً، وهي السياسة المبنية على المنافسة الاقتصادية الشريفة والابتعاد عن سياسات العدوان وإشعال الحروب، تلافياً لنشأة أوضاع غير مستقرّة لا تساعد على تنمية التعاون الاقتصادي بين الدول، فإنّ الولايات المتحدة قد لجأت الى إشعال فتيل الحروب المتدحرجة في منطقة القوقاز، التي شكلت عقدة أساسية واستراتيجية هامة على الصعيد التجاري والسياسي والعسكري وحتى الديني، في حقبة طريق الحرير الصينية القديمة، التي كانت قائمة منذ سنة ١١٥ قبل الميلاد وحتى بداية القرن الثالث عشر الميلادي، والتي كانت تتمّ عبرها التبادلات التجارية بين الصين وجنوب أوروبا على وجه الخصوص، مارةً بمنطقة القوقاز الشمالي والجنوبي. وهي المناطق التي تحاول واشنطن وأدواتها السيطرة عليها حالياً لعرقلة تنفيذ مشاريع البنى التحتية الضرورية للحركة التجارية، التي هي قيد التبلور على قاعدة مشروع طريق واحد وحزام واحد الصيني العملاق.

وهذا يعني ان الولايات المتحدة، ومن خلال أدواتها الاقليمية، الصهيونية والعثمانية والرجعية العربية تسعى الى السيطرة على كامل منطقة القوقاز الاستراتيجية، وليس فقط إلحاق إقليم ناغورنو كاراباخ بأذربيجان كما يدّعي أردوغان.

من هنا فإنّ من الضروري فهم طبيعة هذا المخطط العدواني على حقيقته، ايّ على انه حلقة مكملة لتطويق الصين الشعبية استراتيجياً. فبالاضافة الى التحرشات والاستفزازات المتواصلة، التي تقوم بها الأساطيل البحرية الأميركية والأوروبية، كالقوة المسماة «قوة حماية التجارة الدولية» وغيرها، في بحر الصين الجنوبي، وبحار الصين الأخرى، وشرق المحيط الهندي وغرب المحيط الهادئ (الممتدة من جزيرة غوام حتى بحر الفلبين وجزيرة تايوان الصينية المنشقة)، بالاضافة الى هذه التحرشات ومثيلاتها الجوية، المنطلقة من القواعد الأميركية في اليابان وكوريا الجنوبية وقواعد المحيط الهندي، نجد ان الخبراء الاستراتيجيين الأميركيين، وفي ظل عجزهم عن المواجهة العسكرية المباشرة، في جنوب شرق آسيا، يلجأون الى خلق المصاعب الاستراتيجية للصين، على صعيد التجارة الاستراتيجية، أملاً منهم في إضعافها اقتصادياً، وبالتالي عسكرياً، كي يتمكنوا من تحقيق أهدافهم، في تكريس الهيمنة الأميركية على العالم من جديد.

لكن ما يغيب عن بال هؤلاء المخططين هو حقيقة انّ المصالح المشتركة، بين الصين الشعبية وروسيا وإيران، وعلاقات التنسيق الوثيق، التي تربط الدول الثلاث، على مختلف الأصعدة، كفيلة بإفشال كلّ هذه الأوهام، وانّ أتباع واشنطن في أنقره وتل أبيب وأعراب النفط لن يكونوا قادرين على تغيير موازين القوى الاستراتيجية، لا على صعيد منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، ولا على صعيد موازين القوى في جنوب شرق آسيا وغرب المحيط الهادئ. وهي بالتالي مشاريع محكومة بالفشل، كسابقاتها من المشاريع الاميركية، التي انطلقت من احتلال أفغانستان، ثم العراق ومن بعدها محاولة ضرب حزب الله في لبنان سنة ٢٠٠٦، تعزيزاً لاحتلال العراق وتمهيداً للسيطرة على «الشرق الأوسط» بأكمله، وصولاً الى الفتن والحروب التي أشعلتها الولايات المتحدة في الدول العربية، تحت مسمّى الربيع العربي، منذ عام ٢٠١١، وانتهاءً بالعدوان الأميركي «الإسرائيلي» السعودي على اليمن، الذي فشل تماماً في تحقيق أيّ من أهدافه.

2 ـ التمهيد لتوسيع دائرة الحروب والفتن الطائفية والعرقية، في عموم منطقة آسيا الوسطى، وليس فقط في منطقة شمال وجنوب القوقاز، وذلك عبر تكليف مخلب الناتو، تركيا أردوغان، وتحت إشراف غرفة العمليات الأميركية التركية الإسرائيلية المشتركة، وبتمويل سعودي، بنقل الآلاف من مسلحي داعش، الموجودين في سورية حالياً، والذين تمّ نشرهم على محاور: فضولي وجبرائيل، جنوب منطقة ناغورنو كاراباخ، على الحدود الإيرانيه الاذرية، لاستخدامهم ضمن الأهداف المذكورة أعلاه، إلى جانب إنشاء معسكرات تدريب مخصصة لإعادة تدريب هذه العناصر، وتسريبها الى دول وسط آسيا السوفياتية السابقة، وصولاً الى الصين، ظناً منهم انّ بمقدورهم تغيير موازين القوى الاستراتيجية، أو خلق مناطق عدم استقرار دائمة، على حدود الصين الغربية وحدود روسيا الجنوبية والجنوبية الغربية وحدود إيران الشمالية الغربية.

بائسون هؤلاء الاطلسيون من واشنطن حتى أنقرة

لم يقرأوا التاريخ جيداً ولا استوعبوا بعد السنن الكونية الحاكمة في كلّ تحوّلات الدنيا

وما يمكرون إلا بأنفسهم ولا يشعرون

سأريكم آياتي فلا تستعجلون

بعدنا طيبين قولوا الله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق