أولى

لبنان… والأساس النظري المفقود

 خالد الرواس*

 لا أحد في لبنان يريد بناء دولة، الجميع، وأقصد جميع القوى السياسية، المتحكمة بالسلطة، توحي عبر وسائلها الإعلامية بأنها تعمل لبناء دولة قوية وعادلة وقادرة، في إطار، ظاهره الدعوة الى وحدة الصف والموقف، لكن واقعه يبقى في مكان آخر، وهذا طبيعي، في ساحة تملؤها المناورات والتكاذب والمصالح الضيقة، المدعومة خارجياً، وفي ظلّ انفراط العقد الاجتماعي بين مكوّنات البلد، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، أدّى الى انهيار شامل في المؤسسات، في ظلّ سيطرة قوى تدّعي البناء، حتى بات التنافس بينها يطالأحجار البناءنفسها، محاصصةً وهدراً وفساداً وإفساداً وصفقات، ولا من يبني، في بلدٍ تملؤه الأحقاد والتباعدات ورسم الخطوط المتبادلة، لا سيما الحمراء منها، والتي تقف عند حدود الامتيازات والمصالح الفئوية، حتى بات لبنان، بلداً مكشوفاً مخترقاً، يُسَرُّ له أعداؤه، ولا يُسعفه أصدقاؤه، لانتفاء جدوى الإسعاف والمصلحة على السواء.

 هذا هو حال لبنان، هكذا كان، وهكذا سيبقى، في ظلّ نظام سياسي لا أساس نظرياً له، وذات مسار تاريخي ملتبس، زاد انكشافه اليوم بسقوط ورقة التوت عنه حين وصلتالموسىإليه، إصلاحياً، في ظلّ الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، فاذا به خائر متهالك القوى، غير قادر على المواجهة، في ظلّ إدارات سياسية متعاقبة مفككة، أنهكته عبر السنين، عرقلت إصلاحه عن سوء قصد ولا تزال، فأفرغته من كافة عوامل الصمود، وأفقرت أهله، وقتلتهم، وهجّرتهم، واستولت على أموالهم، ولم يبق من عاصمته سوى الأنقاض، شاهدة على جرائم مسؤوليه.

 انّ المحطات التاريخية التي مرّ بها لبنان، منذ ما قبل عهد المتصرفية، لا تبشر بإمكانية قيام أيّ دولة، فالحلقات الموجعة التي خاضها اللبنانيون على مدى مئة عام، راكمت من عنادهم، لجهة تمسكهم بالعقلية الفئوية والمسافات التي وضعوها بين بعضهم البعض، لانتفاء وجود أيّ عقد اجتماعي في ما بينهم أصلاً، يؤدي الى تأسيس وطن، لذلك لم تتوصّل مكوناته السياسية الى أدنى تفاهم وطني مشترك يؤدّي الى بناء دولة، يُبعد شبح تأثير تلك الحلقات عن اللبنانيين، أو أن ينقلوا بلدهم الى برّ الأمان، عبر الالتزام بالدستور والقوانين ووضع خطط تنموية لبلدهم، بعيداً عن تلك السياسات، التي شكلت سبباً مباشراً في إسقاط مشروع بناء الدولة الموعودة، التي بقيت مجرد عنوان غير قابل للتطبيق، وبعد أن أثبتت التجربة، بأنّ كلّ من الطائفي والكياني والفقهي والوطني والقومي والمذهبي والمعتدل والمتشدّد والانفتاحي واليساري واليميني والجهادي، الموجودين كناشطين وقوى في الساحة السياسية، هم عاجزون عن بناء أيّ ذولة، أو التأسيس لوطن، ولو سعوا الى ذلك تحت أيّ عنوان كان، لاختلاف مدارسهم وأهدافهم عن بعضها البعض، سياسياً وعقائدياً، بما لا يعزز المواطنية أو التقارب الوطني في ما بينهم، ولو بالحدّ الأدنى، بل يزيد من فرص التباعد بين كلّ تلك المكونات، ويعزز تبعيتها للخارج، الأمر الذي جعل من لبنان حتى اليوم، ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات على أرضه، نتيجة تنافس إقليمي ودولي على المصالح والسيطرة ونقاط النفوذ، على حساب ضمان وجوده ووحدته وأمنه واستقراره وتقدّمه ومستقبله.

 فالوطن هو حاجة وضرورة، إذا ما توفر له أساس نظري مناسب، يكون قائماً على الهوية الواحدة، وليس على التعددية الدينية التي يتمّ توظيفها كطائفية سياسية، أسقطت مشروع بناء الدولة من أساسه، فلا وطن من دون دولة، ولا دولة من دون وطن، عنوانان مكمّلان للكرامة الوطنية، كانا ليشكلان معاً نموذجاً للتعايش، ومدخلاً لتطبيق العدالة الاجتماعية، معززاً بقوة القانون، الذي من شأنه أن يصون الدول ويحميها من الداخل، شرط الالتزام بمعايير الوفاء والانتماء الصحيح، الأمر غير المتوفر حتى الساعة، وأغلب الظن أنه لن يتوفر، في ظلّ وجود قوى سلطوية، نخرتالدولةبالطائفية، وأنهكتها بالامتيازات المذهبية الضيقة، وأغرقتها بالفساد والهدر والسمسرات، لا تزال تعرقل عملية الإصلاح والمحاسبة، قوى لا تعرف عن عملية البناء شيئاً، بات استمرارها في الحكم أمراً مأساوياً، سيزيد من حجم معاناة اللبنانيين، ويفاقم من حجم الأضرار التي خلفتها وراءها تجاههم، على الصعد كافة.

 وللتوضيح، ولكي لا نذهب بعيداً، فإنّ قوة العدو مثلاً، تكمن في الأساس النظري الذي أنشأ بموجبه دولته على أرض فلسطين، ولو غصباً واحتلالاً، استند فيها الى تطبيق القانون في الأراضي التي احتلها، من ضمن عقد اجتماعي شمل الجميع، مستوطنين ومسؤولين، مدنيين وعسكريين، أشكيناز وسفرديم، مدعوماً بعملية ترانسفير يهودي من كلّ أصقاع العالم الى الأراضي المحتلة، بهدف تغيير هويتها بواقع ديمغرافي جديد، لكنه في الوقت ذاته أخضع الذين استوردهم الى حكم القانون، وهو الشق الأساسي في إنشاء الدول، يهدف في حالة العدو، الى تكريس وجود دولة تخدم مشروع التهويد، كأساس نظري لنشوئها وديمومتها وتطورها.

 هكذا يطبخ الأعداء ما يجب أن يطعموه لأبنائهم، لإنتاج الراحة والاستقرار والعدالة وديمومة العيش الكريم، تسمح لهم بالتطلع نحو المستقبل، على أساس المصلحة الواحدة، والرؤية الواحدة، والمشروع الواحد، واذا كان أعداؤنا يتعلمون من أخطائنا المميتة التي جعلتهم في موضع الأقوى، فنحن لم نتعلّم من تجاربنا، ونحن أصحاب التاريخ والحضارة ومصدّرو الحرف، نحن رواد الطب والصيدلة والعلوم ومصدّرو الشرائع، نحن رواد هذه الأرض وأصحابها، ملتقى الأديان ومهد الأنبياء والرسل، فشلنابقدراتنا الذاتية، في بناء إطارٍ صغير يوحد طاقتنا، ويوحد كلمتنا، وأهدافنا، صوناً لهويتنا، اسمه لبنان، كدليلٍ على عجزنا في بناء دولةٍ، حرّفنا قوانينها، ضمن بدعةالديمقراطية التوافقيةوفوضىالحرية، بما أنتج دولةًمسخعلى قياس صانعيها، من عصابات السلطة، ومن كارتيلات الطوائف، لا أساس نظرياً لها، سيبقى مفقوداً في ظلّ حكم العابثين بأمن البلد وأمنه وأمانه ومستقبله ومصالح أبنائه، بانتظار التغيير الموعود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مهندس

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق