الوطن

لماذا تبدو أميركا قابلة للتصدّع؟

} د. وفيق إبراهيم

تسيطر مشاعر انقساميّة عميقة على عموم الأميركيين للمرة الأولى منذ تشكل الدولة الأميركية القوية قبل قرن ونصف تقريباً، بما يهدّد العلاقات الفدرالية التي تجمع بينهم في إطار ولايات تنتشر على أكثر من عشرة ملايين كيلومتر مربع تشكل أعظم دولة معاصرة تُمسك بالأحادية القطبيّة العالميّة.

هذه الانقسامات موجودة دائماً، لكنها كانت كامنة ضمن المشروع الأميركي العالمي الذي يوفر لمواطنه دخلاً هو الأعلى في العالم نتيجة هيمنته على الاقتصادات العالمية بمجملها.

لقد عادت هذه التمايزات التاريخية للإمساك بالعلاقات الاجتماعية الداخلية وبين الأحزاب والقوى السياسيّة وذلك بمواكبة وصول الرئيس الحالي ترامب الى سدة الرئاسة في 2016 وازدادت مع اعتماده استراتيجيّة التفرقة على أساس اللون والعرق والدين والجهة.

كان يريد بهذه الطريقة حيازة أكبر كمية ممكنة من أصوات العرق الابيض اللون من ذوي الاصول الاوروبية الذين يشكلون مع مجمل البيض الوافدين من قارات أخرى نحو سبعين في المئة من السكان.

دينياً، أدرك ترامب العلاقة البنيوية العميقة بين اليهودية والمذهب الانجيلي الأميركي الذي يريد إعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى.

فمنح «إسرائيل» القدس ومعظم الضفة والجولان السوري المحتل، فارضاً على الدول الخليجية الاعتراف بالكيان الإسرائيلي المحتل والتطبيع معه.

أما على المستوى الجهوي فبدا واضحاً اهتمام ترامب بالأرياف البيضاء الجنوبية وعلى المدن الكبرى وازدرائه للمهاجرين من الدول اللاتينية والإسلامية حتى أنه لم يتورّع عن مهاجمة الدين الإسلامي.

هذه التوجّهات التي أفرط ترامب في اعتمادها لكسب البيض الأميركيين أدّت الى ازدياد الخلافات على اساس اللون بين ذوي أصول أفريقيّة وبيضاء وبين إنجيليين ومسلمين وبين شمال وجنوب وبين مدن وأرياف وبين دول لاتينيّة مجاورة وبين دولة أميركيّة تعتبرها محميّات لها.

لقد بدا الرئيس ترامب في هذه المحاولات وكأنه يلغي النتائج التوحيديّة لآخر معركة داخلية أميركية حدثت في 1963 في غيتيسبي وأدت الى توحيد الشمال والجنوب في اطار الدولة الأميركية المعاصرة.

ولجذب الطبقات الفقيرة من البيض تعمد ترامب إثارة العداء مع الأقليات المكسيكية والإسلامية في الداخل واتهمها بسرقة الوظائف من الأميركيين ذاهباً نحو إنشاء جدار مع المكسيك لوقف التسلل الى بلاده.

لقد أدت هذه السياسات الى صعود العنصرية على أساس اللون والعرق والدين والطبقة الاجتماعية والجهة الجغرافية.

وللمرة الأولى تتشكل ميليشيات مدنية على قاعدة هذه التمايزات حتى أن معدل شراء الأسلحة والذخائر من قبل المدنيين ارتفع سبعين في المئة تقريباً مقارنة بالشهر المماثل من العام الفائت.

لقد اعتقد ترامب أن بإمكانه الاستثمار في هذه التمايزات لربح ولاية رئاسية ثانية له في الانتخابات، على أن يعود في مراحل لاحقة الى تهدئتها واحتوائها.

لكن الأوضاع الشعبية دخلت في مرحلة الخروج عن السيطرة. فهناك ميليشيات بيضاء تنتقل بأسلحتها علناً في الشوارع الى جانب مجموعات كبيرة من ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية التي تتحضر بدورها لحماية نفسها.

هذا الى جانب الميليشيات الإنجيلية واليهودية التابعة للوبيات.

هذه الأجواء تشي بانتقال أميركا الى مرحلة داخلية شديدة التوتر، على حافة صراعات شعبية داخلية قد لا تتمكّن الدولة الفدرالية عن السيطرة عليها، بما يهدّد هذه الفدرالية الحالية بالانتقال الى كونفدرالية أكثر استقلالية بين ولايات وجهات شبه مستقلة.

فهل تسمح الدولة الأميركية العميقة بهذا التصدّع؟ للتذكير فقط فإن اتحاد مجموعات الأمن القومي والمخابرات والبنتاغون والشرطة الفدرالية هي مؤسسات الدولة الفدرالية ولن تسمح بهذا التوغل المخلخل للدولة العميقة.

لكن الدولة الأميركية الفدرالية كانت تسيطر على مساحات بلادها الشاسعة بالدور الخارجي الكبير الذي يجبي الثروات من مناطق العالم معاوداً استثمارها في الداخل الأميركي.

وهذا استولد أهم طبقة وسطى في العالم تشكل العمود الفقريّ للاستقرار السياسي الأميركي بما يعنيه من احتواء كل التباينات الداخلية، التي وجدت نفسها مختبئة وعاجزة عن التصدي للدولة الأميركية القطبية.

لذلك فإن التراجع الاقتصادي الأميركي بسبب جائحة الكورونا من جهة وصعود الصين من جهة ثانية تسببا بإضعاف أميركا مهدداً أحاديتها القطبية من التقدم الصيني والصمود الايراني الذي يحول دون استثمار أميركي أعمق وأكبر في الشرق الاوسط، كما ان سياسات ترامب الخارجية أدّت أيضاً الى استفزاز حلفاء بلاده الأوروبيين مع دفعهم الى البحث بشكل جدّي عن تحالفات فاعلة.

بذلك يتأكد الارتباط بين السيطرة الاقتصادية الأميركيّة على العالم وبين الاستقرار الاجتماعي الأميركي في الداخل وكلما كانت هذه الهيمنة الأميركيّة أقوى ازدادت الطبقات الأميركية استقراراً وازدهاراً.

بما يعني أن هناك أسباباً داخلية وخارجية تضع الفدرالية الأميركية في أزمة تاريخية، للمرة الأولى منذ تأسيسها.

فهل تنفجر أميركا؟

لا تزال الدولة الأميركية العميقة تمتلك الكثير من وسائل الاحتواء إلا أن استمرار الصعود الصيني والروسي والإيراني، الذي يلتهم تدريجياً من السيطرة الأميركية على العالم يدفع الى الانفجار التدريجي للفدرالية الأميركية بالتعاون مع التمايزات العميقة في مجتمع أميركي لا تزال تسيطر على مخيلته صوت الرقيق الأسود والكاوبوي العالمي الذي لا يتكلم إلا بإطلاق النار من مسدسه على كل المنافسين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى