الوطن

«إسرائيل» لم تعُد الناخب «الأول» في الانتخابات الأميركيّة

 روزانا رمّال

كما كل شيء في هذا العام 2020…عاش العالم أدقّ انتخابات أميركية في التاريخ نظراً للظروف التي حلّت عليها.

تابع الأميركيون بشكل مكثف ولأشهر طويلة هواجس ومخاوف واظب الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب على ضخها في الأذهان، متحسّباً لأيّة خسارة مقبلة وكأنه كان يترقب واقعاً «آتياً لا محالة»، والسؤال كان لماذا كل هذا القلق، طالما أن «الإمبراطور الأبيض « صاحب رأس المال والأعمال والذي أبلى بلاء حسناً في ما يتعلق بخفض مستويات البطالة بداية ولايته هو نفسه الذي نجح في الحصول على صفقة المليارات الأربعمئة وأكثر من المملكة العربية السعودية وغيرها من المحطات النافذة في السياسة الخارجية؟

لماذا يخسر رئيس مثل ترامب؟

أين أخفقت إدارته حتى يصبح من الرؤساء القلائل في الولايات المتحدة الذين يفشلون بالاحتفاظ بولاية ثانية؟

صحيح أنّ خبر خسارة ترامب أربك المجتمع الدولي برمّته تماماً، كما كان سيفعل «فوزه» لغرابة الشخصية ومنهجية العمل، إلا انّ العالم ومعه الولايات المتحدة أخذا نفساً عميقاً حمل شيئاً من توسم التغيير بعد أربع سنوات حافلة بالضغط على مختلف المستويات ومختلف الادارات الأميركية تحديداً البنتاغون والخارجية وما بينهما من علاقات نُسفت وخيارات استُبدلت واتفاقات أُسقطت، فحان وقت الدخول الى مرحلة جاءت في غير موعدها بالنسبة لحلفاء ترامب وتحديداً الشرق أوسطيين.

الشرق الأوسط هذا بما يحمله من صخب وتوترات لا تهدأ، كان جزءاً لا يتجزأ من العملية الانتخابية في الولايات المتحدة الأميركية نظراً لاعتبار «إسرائيل» الناخب الأول والأساسي محلياً وخارجياً وما تحويه من لوبي يهودي نافذ في هذا السياق أسهب في دعم المرشحين الأميركيين على مرّ العقود لتتكشف المفاجأة الكبرى «انّ إسرائيل وكلّ مصالحها لم تعد الناخب الأول في أميركا. فخسارة ترامب تعني خسارة الرئيس الذي قدّم لـ»إسرائيل» ما لم يقدّمه رئيس آخر قط».

انسحب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني مع طهران وهو المطلب الاساسي لبن يمين نتنياهو الذي لم يكن مرحباً به منذ توقيعه عام 2015 في فيينا. ومنذ ذلك الوقت بدأ العمل على إيصال الرئيس الأميركي الأشد عداء لإيران والمستعد للذهاب بعيداً في دعم الخيارات الاسرائيلية فكان الرئيس ترامب الخيار «الذهبي» بالنسبة لـ»إسرائيل» واللوبيات الداعمة لـ»إسرائيل» في واشنطن.

فاز ترامب وبدأ تنفيذ الوعود السياسية التي كانت أبعد في العهد الديمقراطي عن أوباما لهوامش تفاوضيّة أعطاها الأخير حيّزاً كبيراً في الجزء الثاني من ولايته الرئاسية.. وعود مثل نقل السفارة الأميركية الى القدس والخروج من الاتفاق النووي الإيراني ونسفه وتبنّي صفقة القرن التي يعترف فيها بحق «اسرائيل» دولة يهودية كاملة الحقوق والوجود يسير فيها المشاركون من حلفاء عرب مع سلسلة عمليّات ترويجية تحضيرية للتطبيع مع «إسرائيل» بحيث تتكفل هذه العملية بإدخال مليارات من الدولارات نتيجة التبادل التجاري والاقتصادي والسياحي الذي ستنتجه العلاقات المفتوحة بين «اسرائيل» والدول الخليجية المطبعة إضافة الى أريحية كبرى بالعمليات الاستخبارية وربما العسكرية في الجوار الإيراني والعراقي وعلى مساحة المنطقة وهذا الجزء الأهمّ.

الذي يستحقّ الوقوف عنده اليوم هو أنّ كلّ هذا الإنجاز الاستثنائي والمكثف لم يجدد للرئيس ترامب ويبقيه سيد البيت الابيض أيّ انّ خدمة «إسرائيل» بهذا الشكل الوافر والمتكامل لم يأتِ بنتيجة في الشارع الأميركي، فبعد أن كانت «اسرائيل» الناخب الاكبر واللاعب الأساس استراتيجياً، استفاق الناخب الأميركي وتفوق على ذاته بعد أن وضع اللوبيات الصهيونية بالدرجة الثانية من التأثير أولاً لنسبة المشاركة الكبيرة، وثانياً لما عايشته الساحة المحلية الأميركية من ضغوط ومصاعب خلال ولاية ترامب ما أدّى الى اندفاعة كبيرة بالانتخابات ومشاركة واسعة قلبت النتيجة.. الخبر المؤسف أن «إسرائيل» لم تعد الناخب الأساسي اليوم والمقصود هنا مصالحها فعند لحظات وطنية أميركية من هذا النوع وقف الأميركيّون بحزم للتخلص من عهد أساء للشعب الأميركي وحضوره كما يقول البعض وأساء للإنسان الأميركي والإنسانية بملفي جورج فلويد وكورونا وبشكل تعاطي واشنطن مع الأصدقاء تحديداً الأوروبيين والجيران، مثل كندا، حيث اصيبت العلاقة بهذه الدول والجهات بانتكاسات غير مسبوقة. وبالتالي على تل ابيب التيقن ان اليقظة الشعبية الأميركية اصبحت قوية الحضور وأن هذا دليل واسع على انكفاء أميركي الى الداخل وعلى أولوية المصلحة الأميركية والداخل والشعب الأميركي لا مصالح حلفاء أميركا في المنطقة، وأبرزها «إسرائيل» وبكلام آخر إنها من المرات النادرة التي لا تلعب فيها الأجندة الخارجية للناخب الأميركي دوراً.

لكن هذه الخلاصة التي أصبحت واقعاً لم تمنع الرئيس ترامب من الرهان على ولاية أخرى من جهة بتسليف «إسرائيل» المزيد من المكاسب بتغطية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن زاده بحسب الرواية الإيرانية وصحف إسرائيلية بارزة مثل هارتس ولم تمنعه من رد فعل كنوع من الانتقام من جو بايدن الرئيس الفائز كي يعرقل عليه المهمة، وهي المهمة المزمعة بالتفاوض مع إيران ويذكره بمصلحة «إسرائيل الكبرى»، وذلك للحصول على دعم في ولاية مقبلة يترشّح فيها ترامب عام 2024 مقابل جو بايدن من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى