ثقافة وفنون

غزوة السُّوس

} عبد المجيد زراقط

 

كنت أجلس في فيء الصنوبرة الكبيرة ، وأمامي الأشجار المثمرة من كلّ نوع، وكانت نظراتي تستقر على شجرة التفاح، وقد تعافت، وعادت تخضرُّ وتورق من جديد .

كانت الشمس تنحدر نحو المغيب والهواء الاَتي من الوادي ينسم طريَّاً يحاكي الغصون وتحاكيه، وكان المارَّة يلقون السلام وكنت أجيب

وكنت أقول لنفسي: ما أجمل هذا الوطن بطبيعته وناسه

وأسكت

عدت الى صحيفة اليوم التي رميتها عندما قرأت عناوينها، وعدت أقرأ كما أقرأ كل يوم عن الفساد والفاسدين، والنهب والنهابين، والدين الكبير الكبيروالكارثة القادمة

وضعت الصحيفة جانباً، واتكأت على « تكَّايتين « ناعمتين .

ولم يطل الوقت حتى رأيت، في ما يرى النائم، جيشاً من الكائنات يقترب مني. هو سوس؟ كأنه سوس، لكنه سوس منتفخ، مختلف. لكل سوسة شكل غريب، وحجم ضخم، تمدّ قروناً كأنها الكلاليب. أحاط الجيش بي. كيف اتسع المكان له؟ لا أعرف. وسمعت أصواتاً نكِرة :

–  أنتأنتالجالس يقرأ ويكتبتريد أن تبيدنا؟!

قلت: أنا!؟ مَن قال ذلك؟

عندما تعافت شجرة التفاح قلت: هذا ما يجب أن نفعله بالسوس. لنتعافى ينبغي أن نبيده

–  صحيح. عرفت هذا بالتجربة. كادت شجرة التفاح تيبس. فتشنا عن السبب. وجدنا السوس ينخر جذعها. قلعنا منه ما قدرنا عليه، والباقي رششناه بالدواء، وهذه هي الشجرة تخضرُّ وتخضرّ

–  أنت لا تقصد شجرة التفاح. أنت تعطيها مثلاً، وتقصدنا نحن

–  مَن أنتن أو أنتم؟

–  لا يهم. أنت أستاذ لغة واَدابها، ما علاقتك بالسوس وإبادته، وخلاص الوطن .

–  الوطن وطني، ألا تعرفن أن كل مواطن مسؤول!؟

–  نحن وحدنا المسؤولون.

–  مَن انتن؟

–  قل أنتم .

–  مَن أنتم؟

واختلطت الأصوات :

أنا أكولةأنا بالوعةأنا ناهوبةأنا شافوطةأنا لاهوطةأنا جاروفةأنا ساروقة.. أنا فاسودة

قلت : كفىكفىكلكم فاعولة .

قال فاسودة: صيغة مبالغة عندكموصيغة قوة لا تُردُّ عندنا .

وتقدَّم كائن ضخم الجثة كلاليبه مثل رؤوس الشياطين، وقال، وهو ينفخ: وأنا ساخوطة. أسخطك ان بقيت تحكي وتكتب عنَّا .

قلت، وأنا أنظر الى الغيوم تتلبَّد في السماء، وأشعر بالهواء الاَتي من الوادي يقوى ويشتد :

–  وماذا تفعلون عندما تهبُّ العاصوفة؟

لم يجيبوا. كانت العاصفة قد هبَّت، وكنستهم .

أفقت. كانت الشمس قد غابت، وغدا الهواء الاَتي من الوادي قويَّاً وبارداً، فقلت :

–  ما أحوجك ، يا وطني إلى عاصوفة تكنس السوس الذي ينخرك !

من مجموعة قصص قصيرة بعنوان «جذور فوق التراب»، ستصدر قريباً .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق