الوطن

هل هذا جنون أميركيّ
أم حرب عالميّة بأشكال جديدة؟

} د. وفيق إبراهيم

الأهداف التي يرمي الأميركيّون عليها نيرانهم الاقتصادية ليست جديدة، فمنذ ثلاثة قرون تقريباً تجتاح قوات غربية أوروبية ولاحقاً أميركية منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بالبارود والنار. فيستولي عليها المنتصر منها او تجري محاصصتها استناداً الى موازين القوى.

ما هو الجديد حالياً؟

الأهداف هي نفسها وتشمل استراتيجية الموقع والثروات من الغاز والنفط والأورانيوم والقدرة الفائقة على الاستهلاك. هذا بالإضافة الى الموارد المعدنية المتنوعة.

أما العنصر الأهم فيتعلق بعدم حاجة الدول الشرق أوسطية والأفريقية لمواردها في عمليات تصنيع وتحديث بل لتسييلها كنقود للإنفاق السريع في سبيل دعم الانظمة المحلية وارتباطاتها الخارجية وإرضاء السكان المحليين بما يحفظهم في القرون الوسطى، لكن ما هو غريب عن السياق التقليديّ لحركة «المنتصر الغربي» وهو حالياً الأميركي أنه يهدأ بعد سيطرته وتمكّنه مبتكراً معادلة سطو في إطار علاقة يغطيها الحاكم المحلي.

هذا السياق أصيب بتغيير بنيويّ منذ فشل المشروع الأميركيّ لبناء شرق أوسط جديد الذي انطلق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1989. لذلك يبدو الأميركيّون خصوصاً في مرحلة الرئيس الحالي دونالد ترامب كمن أصيب بسُعارٍ يستعمله لتحصيل ما لم يتمكن من فعله بمشروع الشرق الاوسط الجديد الفاشل.

وهكذا فإن تركيز ترامب صوّب على سورية والعراق في محاولات متواصلة لدفعها الى فوضى وعميقة تفتح الطريق للتفتيت والتقسيم وأمركة مواردها والإبقاء على «إسرائيل» القوة الشرق أوسطية التي لا منافس لها.

إلا أن ما يفعله ترامب الذي يفصله عن الرحيل عن موقع الرئاسي ثلاثة أسابيع  فقط، يبدو جنوناً أو إرباكاً مسبقاً لسياسات وريثه الرئيس المقبل جو بايدن.

فليس منطقياً أن يطلق رئيس يستعدّ للرحيل من البيت الابيض مئات العقوبات وكأنه لا يزال في بدايات رئاسته.

وليس طبيعياً أن يقود الآن تحديداً حملة تطبيع بالقوة والإكراه لاستحداث علاقات دبلوماسية بين دول عربية والكيان الإسرائيلي.

أما كان بوسعه القيام بهذا الأمر في منتصف ولايته قبل سنوات عدة؟

الواضح أنه فوجئ بهزيمته في الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة، كما أنه بوغت بصمود الدولة السورية واستعصائها على كل المحاولات الأميركية والكردية والتركية والأوروبية والخليجية والإسرائيلية التي تهاجمها منذ تسع سنوات من دون كلل.

بذلك يتّضح أن عقوبات ترامب الحالية على سورية ليست ضرباً من الجنون او السلوك الكيديّ بقدر ما ما تجسّد مشروعاً مستمراً يرعاه المشروع الاقتصادي الأميركي، الذي لا يتوقف.

فإذا خسر ترامب الانتخابات، فإن هذا المشروع مستمر عبر بايدن وأسلافه. لا سيما أن ترامب هو جزء من هذا المشروع الاقتصادي الذي يعمل للهيمنة الاقتصادية على العالم، ويرى أن «إسرائيل» هو الوسيلة الإقليمية الضرورية لصيانة هذا المشروع وتطويره.

ضمن هذا الإطار تنضوي مشاريع التطبيع العربية الإسرائيلية والاستهداف الدائم لسورية. هذا هو التفسير الوحيد الذي يجعل استهداف عائلة الأخرس والمصرف المركزي السوري وعشرات القيادات في مواقع مهمة. وإصابة سياسيين روس وشركات صينية، عملاً طبيعياً، إنما ليس لترامب فقط، بل لما يجسده من مشروع اقتصادي أميركي كوني يعمل بوسائل متنوعة للوصول الى أهدافه بوضع اليد على إمكانات العالم.

وإلا فمن تراه يصدق ان السيدة أسماء وعقيلة الرئيس السوري بشار الاسد وخمسة من أفراد عائلتها تستهدفهم العقوبات الأميركية لأسباب تثير الضحك، وتزعم انها بسبب الفساد علماً ان الأنظمة الخليجية التي يحميها الأميركيون هي من أكثر الانظمة فساداً في العالم، في حين ان استهداف آل الأخرس المعروف أنهم أثرياء من عملهم في بريطانيا ليس إلا طريقة أميركية وضيعة للإشادة المعنوية للرئيس الاسد، وهذه لم تعد تنطلي على أحد.

إن الأميركيين الذين يهيمنون على العالم هم أكثر نظام فاسد في التاريخ ويدعمون انظمة خارجية هي بدورها أكثر الأنظمة دكتاتورية وفساداً. هذا بالإضافة الى ان النظام الاقتصادي الأميركي يسرق العالم بأسره لبناء نظام طبقي يسطو عشرة في المئة منه وعلى نحو 50 في المئة من قدرات اكبر قوة اقتصادية في التاريخ وهي الولايات المتحدة الأميركية.

لماذا التركيز على سورية اذاً؟

لأن لا إمكانية للسيطرة على الشرق الاوسط إلا بالإمساك بسورية.

لذلك فإن توجيه اتهامات لآل الاخرس هو الجانب المعنوي من الهجوم العام والكبير على سورية وهو اذاً هجوم معنوي اقتصادي حربي، اعلامي، طائفي، ارهابي ومتنوع، تكفي حروب التجويع والحصار وصولاً الى إلغاء دور المصرف المركزي السوري.

هناك إجابة تتركز على أن الدولة السورية التي تقاتل كل هذه الحروب مستمرة في سياسات التصدي، فيما ينتظر حلفاؤها الروس والإيرانيون مرحلة بايدن لتثبيت اندفاعة في وجه الأميركيين على مقاس الجديد في السياسات ولكل معادلة ما يوازنها ويزيد. لا بد أخيراً من توجيه تحية الى سورية التي تضم آلاف العائلات المجاهدة كآل الاخرس وتحية لسورية لدورها في الدفاع عن الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق