آراء ودراسات

الولايات المتحدة والديمقراطية المزيفة…!

د. علي سيد*

الديمقراطية المزيّفة بالإنجليزيةCounterfeit democracy) ): يقصد بها تحديداً كلّ الممارسات التي يمكنها بأيّ شكل من الأشكال المساس بالأفكار والمبادئ والقانون الذي تحتويه الديمقراطية، إنّ ايّ شيء يقوم بتحريف أو الوقوف في طريق تحقيق المبادئ الحقيقية والأفكار التي تحملها الديمقراطية يعدّ بشكل غير مباشر ديمقراطية مزيّفة، يشير مصطلح الزيف إلى شيء مشابه للأصل لكنه لا يحمل مميزاته وبمصطلح آخر نقصد بمصطلح المزيف تحريف الشيء الحقيقي مع الحفاظ على إسمه، أيّ تغيير للقلب مع المحافظة على القالب.

الديمقراطيةبريقٌ يزيّف الحقيقة

 إنّ الحديث عن الديمقراطية يحلو كثيراً لبعض مثقفينا العرب الذين يرون فيها حلماً طالما عاشوا منافحين عنه، وهم يرون فيها نموذجاً للحكم الحلم الذي يجب أن يحتذيه العرب خصوصاً والمسلمون عموماً إذا ما أرادوا التطور واللحاق بركب الغرب.

المولعون بالحديث عن الديمقراطية في نمطها الغربي لا يخفون أبداً إعجابهم التام بذلك النموذج بل يتجاوزون ذلك إلى أن بعضهم يرى أنها هي المخلص لنا لكثير من مشاكلنا وعقدنا التي جعلتنا في الصفوف الخلفية في هذا العالم المليء بالتحديات.

نسمعُ كثيراً بمصطلحات الحرية والعدل والمساواة والإخاء والوفاق الإنساني التي تقترن بالديمقراطية، ولكن هل هذه المصطلحات البراقة والجميلة تمّ تحقيقها على أرض الواقع الغربي أصلاً قبل أن يطالب بتطبيقه في عالم المنهزمون من أبناء هذه الأمة؟

إنه في الوقت الذي يروّج الغربيون ممثلون في الولايات المتحدة الأميركية للديمقراطية في عالمنا العربي نجد أنّ هناك صيحات نابعة من الغرب نفسه تقول لنا وبصوت عال: (إنّ الديمقراطية أكذوبةٌ من الأكاذيب التي انطلت عليهم) فكيف تستغفلنا الولايات المتحدة وأتباعها بمثل تلك المصطلحات؟

هذا الكلام ليس رجماً بالغيب ولا منطقاً يخلو من القرائن بل هو حقيقةٌ تتضح يوماً بعد يوم، مع العلم بأنّ الانتقاد للديمقراطية في الغرب قد بدأ منذ مرحلة مبكرة فهذا أرسطو في كتابهالسياسةقدَّمَ تصنيفاً سداسياً لأشكال الحكم وضع من خلاله الديمقراطية ضمن أشكال الحكم المنحرفة والفاسدة، وكذلك أفلاطون في كتابه الجمهورية صنف الديمقراطية ضمن نظم الحكم الفاسدة، ويرى أرسطو أيضاً أنّ النظام الديمقراطي ما هو إلا عبارة عن حكم طغياني مُقسَّم على عدة أفراد.

الديمقراطية حالة من الحكم الطغياني القائم على مجموعة من المصطلحات والشعارات الزائفة والدليل على ذلك هو الغرب نفسه ففي الوقت الذي تتحدث الديمقراطية فيه عن الحريات وحقوق الأقليات نجدها هي بنفسها تحارب هذه المبادئ ففي إسبانيا مثلاً يعلن الدستور بكلّ صراحة أنّ إسبانيا دولة كاثوليكية، وأنّ حق الإنتخاب محصورٌ في الأسبان الكاثوليك، فأين الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات من هذا؟

هذا الأمر سائدٌ في كثير من نظم الغرب الديمقراطية التي بُنيت على مبادئ واهية، ففي إيطاليا أيضاً لا صوت يعلو فوق صوت الكاثوليك لأنّ الكاثوليكية قبل الديمقراطية حيث يقول الدكتور عبد العزيز صقر (مؤسس ورئيس مركز الخليج للأبحاثالمملكة السعودية): “في إيطاليا فإنّ الكثلكة تأتي دائماً قبل الديمقراطية ولا موضع للديمقراطية إذا تعلق الأمر بإقصاء الوصاية الكنسية عن الحياة السياسية حتى لو أدّى ذلك إلى مصادرة ملايين الأصوات التي يدلي بها الناخبون لصالح حزب يعارض القيم الكاثوليكية”.

وهكذا الحال في أكثر من دولة غربية وديمقراطية حيث النظرية تخالف التطبيق، وأما مسألة النزاهة والشفافية التي يتحدّث البعض بها مثنياً من خلالها على النظم الديمقراطية فهي أمرٌ نسبي وتحكمه المصالح والتجاذبات والتقاطعات والدليل على ذلك ما ذكره جريج بالاست المحقق الصحافي الأميركي بعنوان: (أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها) حيث ذكر فضائح الديمقراطية الغربية ممثلةً في النموذج الأميركي الذي يهيم به بعض مثقفي العربان وكشف بالحقائق والأرقام جملةً من الخروقات الكارثية للنظام الديمقراطي ومن ذلك ما قام به جيب بوش حاكم فلوريدا وهو الأخ الشقيق للرئيس الأميركي في عام 2000 إبان الانتخابات الأميركية عندما قام بإلغاء سبعة وخمسين ألفاً وسبعمائة صوت باعتبار أنّ أصحابها مجرمون، وهو أمرٌ غير صحيح ومخالف للحقيقة فهؤلاء جميعهم أبرياء، وبذلك خسر المرشح آل غور حوالي اثنين وعشرين ألف صوت.

هذه هي الديمقراطية بصورتها الكالحة الحقيقية التي هي عبارة عن كذب وشعارات براقة، وشراء للذمم بالمال وعنصرية واضحة وتعصبٌ للعرق واللون (شاهدناها منذ أشهر في أميركا) والجنس والديانة بل والمذهب أيضاً، وبذلك استحقت أن تكون وبكلّ جدارة نموذجاً سيئاً وفاشلاً للحكم الطغياني الإستبدادي المليء بالفساد حتى الثمالة.

أميركا ليست ديمقراطية كما تزعم

تحدث الكثير من المحللين السياسيين في العالم عن «وهم الديمقراطية الأميركية» التي تسير في طريق مظلمٍ بسبب عدة عوامل تجعل الواقع السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة الأميركية بعيداً عن الصورة المثالية التي يُروَّج لها عبر التأكيد على «القيم الديمقراطية الأميركية»، والدستور الأميركي، والآباء المؤسسين.

يتحدَّث الكثيرون في العالم عن واقع سياسي غير ديمقراطي في أميركا، لكن مع ترويج «الدولة الأقوى في العالم» للديمقراطية ونشرها في دول «العالم الثالث»، يكون من السهل اتهام من ينتقد السياسة الأميركية ومُحدّداتها بـ «الإرهاب» أو «الشيوعية». لكن أن تُقدم هذه الانتقادات دراسة من جامعة «برينستون» الأميركية فهذا ما يجعل للأمر أهمية خاصة.

عمل أستاذ في جامعة «برينستون» (مارتن غايلنز) وأستاذ في جامعة «نورثويسترن» (بينجامين بيج) على تحليل النظام السياسي الأميركي اعتماداً على 4 نظريات في تحليل نظام الحكم وطبيعة جماعات المصالح التي تحكم القرارات السياسية.

ببساطة تقول الدراسة: يحكم أميركا مجموعة من النخب التي تسيطر على الثروة والسلطة، وليس للمواطن العادي أثر كبير في السياسة.

يشعر الكثير من المواطنين في العالم الآن أنّ النظام «الديمقراطي» المبني على الرأسمالية الغربية لا يعطيهم إمكانية المشاركة الفعَّالة في السياسة، ما لم يكونوا من مجموعات تملك ثروةً أو نفوذاً.

لكن البحث يطرح هذه الفكرة اعتماداً على دراسة حوالي 1800 قرار سياسي أو تغيير في سياسات الحكومات الأميركية على امتداد 25 عاماً، وتحليل ما جرى تنفيذه بالفعل مقارنةً بما قال أغلب المواطنين الأميركيين إنهم يريدون تنفيذه، ثم يصل الباحثان إلى نتيجة تقول إنّ المجموعات صاحبة النفوذ والثروة غالباً ما تستطيع تمرير السياسات والقرارات التي ترى أنّ الحكومة يجب أن تنفذها عبر دوائر السياسة لتُترجم في النهاية إلى واقع فعلي.

لكن ماذا يحدث حين يريد أغلب المواطنين قراراً أو تغييراً في سياسات بلادهم؟

إنهم يخسرون الرهان غالباً. إذا لم يكن من بين المؤيدين للقرارات مجموعة من النخبة الاقتصادية فلن يمرّ إلى واقع الأميركيين مهما كانت نسبة المواطنين التي تؤيدها.

يتمتع الأميركيون بالكثير من مميزات النظام الديمقراطي، مثل الانتخابات وتداول السلطة، وحرية التعبير والاجتماع، والحرية الاقتصادية. لكن السياسة الأميركية تسيطر عليها مجموعة قليلة من الأغنياء أصحاب المال والنفوذ، مما يدفعنا إلى القول إنّ ادّعاء أميركا بأنها تتمتع بمجتمع ديمقراطي هو أمر مبالغ فيه وغير صحيح، فالأصحّ القول إنّ في أميركا كثير من الحرية وقليل من الديمقراطية.

 أميركا تشبه الديمقراطيات الهشة

نشرت مجلةفورين بوليسي» الأميركية مقالاً لرئيس منظمة الديمقراطية الدولية، إريك بجورنلند، اعتبر فيه أنّ البلاد (الولايات المتحدة) باتت تشبه «الديمقراطيات الهشة»، محمّلاً الرئيس دونالد ترامب المسؤولية.

وقال «بجورنلند» إنّ مهاجمة ترامب للعملية الإنتخابية باعتبارها مزوّرة ورفض الالتزام بقبول النتائج، جعلها تشبه بشكل متزايد تلك التي تجرى في الديمقراطيات الهشة والدول الاستبدادية، وذلك «من واقع خبرتي، فقد قدت أو أدرت حوالي 40 عملية مراقبة انتخابات في 22 دولة على مدار أكثر من 30 عاما».

وأوضح الخبير الأميركي: «في الديمقراطيات الحقيقية الراسخة، لا يهاجم المنافسون السياسيون عموماً قواعد العملية أو نزاهتها، أو يتهمون المرشح المعارض أو السلطات الانتخابية بالغش أو تخويف الناخبين أو تهديدهم بالعنف». 

وتابع: «من ناحية أخرى، في البلدان الأقلّ ديمقراطية تماماً، تكون الشكاوى حول الاحتيال والإنصاف أمراً روتينياً، وغالباً ما يكون العنفأو التهديد بهمتضمّناً. وهذا يؤدّي إلى تقويض ثقة الجمهور في الانتخابات وفي الديمقراطية نفسها».

ومثال آخر هو مصر، التي أضاعت فرصة التحرك نحو ديمقراطية حقيقية منذ ثورتها عام 2011، حيث تمّ الطعن في نزاهة كلّ عمليات التصويت في سلسلة من عمليات الاقتراع.

وفي الانتخابات الرئاسية بأفغانستان في عامي 2014 و2019، رفض المرشح عبد الله عبد الله التنازل للفائز المعلن، الرئيس أشرف غني، مما دفع البلاد إلى أزمة سياسية.

وفي أسوأ الحالات، يمكن أن تؤدّي مزاعم تزوير الانتخابات إلى موجة من العنف، كما حدث في كينيا في عام 2007، حيث قتل حوالي 1400 شخص، بحسب الكاتب، الذي قال إنه وعلى الرغم من أنّ الجولة الأخيرة في كينيا شهدت قدراً أقلّ من العنف، إلا أنّ الأحزاب الخاسرة اشتكت مرة أخرى من سرقة الانتخابات.

وعلى غرار المنافسين السياسيين في البلدان غير الديمقراطية، شكك الرئيس ترامب بقوة في مصداقية العملية. وخلال المناظرة الرئاسية في 29 أيلول، على سبيل المثال، ادّعى، بدون دليل، أنه «سيكون هناك احتيال كما لم تروه من قبل».

 ديمقراطية مزيّفة

أكد الكاتب والبروفيسور الأميركي بول كريغ روبرتس أنّ الولايات المتحدة ما زالت تستخدم شعارات الحرية والديمقراطية المزيفة للتدخل السافر في شؤون غيرها وشنّها الحملات العسكرية والغزوات في دول أخرى فضلاً عن قيامها بعمليات التجسّس الواسعة ليس فقط على الأميركيين بل على المدنيين في جميع أنحاء العالم.

وأوضح روبرتس أنّ الولايات المتحدة تستمرّ في محاولات تسويق نفسها كبلد حرّ لكنها على أرض الواقع لا تتردّد في غزو وتدمير بلدان أخرى استناداً إلى ادّعاءات ومزاعم كاذبة بغضّ النظر عما تخلفه حملاتها التوسعية من قتل وتشريد لملايين الأبرياء.

وليست التنظيمات الإرهابية الموالية لواشنطن بما فيها تلك التي يطلق عليها تسمية المعارضة المعتدلة في سورية إلا أحد الأمثلة على الوسائل والأساليب الملتوية التي تتبعها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها وتدمير الدول ذات السيادة التي ترفض الرضوخ لها.

ولقد شاهد العالم إقدام عناصر من الشرطة الأميركية خلال الأشهر القليلة الماضية على قتل عدد من الشبان المتحدّرين من أصول أفريقية ما أدّى إلى إثارة احتجاجات كبيرة طالبت بتحقيق العدالة ومقاضاة المسؤولين عن هذه الجرائم.

وقد استغلت الإدارات الأميركية المتعاقبة هجمات الحادي عشر من أيلول لتصبّ جامّ جنونها على دول العالم وعلى الأميركيين أنفسهم دون رادع أخلاقي أو إنساني ودون اعتبار للقوانين المحلية او الدولية وشنّت الحروب والغزوات على دول عدة بما فيها العراق وأفغانستان وقتلت وما زالت تقتل آلاف البشر من اجل الهيمنة والسيطرة على صناعة القرار العالمي.

 الديمقراطية الأميركية الحقيقة القبيحة

هو عنوان لصحيفة أميركية كبرى عنونت به مقالتها الأخيرة، لما حصل ويحصل داخل المجتمع الأميركي واستحقاقات «ديمقراطيته»، خصوصاً بعد أيام على الهجوم الرعاعي والغوغائي على مبنى الكابيتول الأميركي «الكونغرس» والذي أظهر الوجه الحقيقي للديمقراطية في الولايات المتحدة، والذي من المفترض ان يكون (الكونغرس) رمزاً للديمقراطية الشعبية وعراقتها وأعرافها! لذلك فإنّ حقيقة القُبح في الديمقراطية الخارجية الأميركية يقوم على:

مصادرة قضايا الشعوب العادلة وحقوقها المشروعة وابتزازها سياسيا (بالفيتو الأميركي وصفقاته).

التدخل السافر والوقح في الشؤون الداخلية لدول ذات سيادة كاملة، بهدف تركيعها وابتزازها، لتتوافق مع المصالح الأميركية والإسرائيلية.

الحصار والتجويع والعقوبات الاقتصادية وسن قوانينها الإجرائية، كشكل من اشكال الحرب الاقتصادية الظالمة على الشعوب في لقمة عيشها.

صناعة وتجهيز الإرهاب الدولي والعابر للقارات، ودعمه مادياً ولوجستياً، والإشراف على حمايته وتنقلاته حسب الطلب والمصلحة، أمثال: (إسرائيل وداعش والقاعدة وقسد وغيرهم كثير).

صناعة القتل البيولوجي والجرثومي، كشكل من أشكال إعادة إنتاج نظريات وفلسفات (بنتام وجون ميل ونيتشه وفوكوياما وغيرهم من رموز الرأسمالية المتوحشة) من مُنظّري فلسفة المنفعة الشخصية والمجتمعية الأنانية، وها هو ترامب يمثل الأصولية العالمية الجديدة وفلسفتها المستحدثة.

سرقة ونهب ثروات القارات السوداء والبيضاء من خلال إنتاج أدوات الاحتلال والوصاية الحديثة «للديمقراطية الأميركية والغربية» عموماً، وعلى سبيل المثال لا الحصر: تعتبر فرنسا من أكبر الدول لإحتياطي الذهب في العالم، وهي لا تمتلك مناجم للذهب؟! فمناجمها موجودة في مالي ودول أفريقية أخرى؟!

أما حقيقة القبح في الديمقراطية الأميركية الداخلية فيقوم على:

التمييز العنصري بكلّ تلاوينه، بغضّ النظر عما هو مكتوب في دساتيرهم وقوانينهم.

إنتاج وتمويل منظمات نازية وفاشية جديدة، للانقضاض على ما تبقى من الديمقراطية المزيّفة.

تحويل وزارة الخزانة الأميركية وصندوق البنك الدولي الى عصا غليظة، في الابتزاز والضغط والتجويع والحصار لمن يخالف مصالحهم وسياساتهم.

بناء وتشييد العوازل والجدران والاسيجة الاسمنتية، في وجه المهاجرين الملوّنين، وتشريد العائلات المهاجرة بين داخل الجدار وخارجه، وهذا المفهوم الأميركي الامثل لحقوق الإنسان!

لكلّ من يتغنّى بالديمقراطية الأميركية والغربية، هذا وجههم القبيح، ولكلّ المثقفين المتسلقين والسياسيين المصابين بعمى الألوان، والمغتربين عن أصالتهم الفكرية من «الحظيرة العربية والشرق أوسطية»، هذه الحقيقة القبيحة لديمقراطيتهم باعتراف ساستهم ومثقفيهم.

* باحث في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق