أخيرة

الومضة والذات الكونيّة

} ميساء طربيه*

 مرّت القصيدة العربية بمراحل تطوريّة في الشّكل والمضمون، بما يلائم العصر والبيئة والإنسان. فالقصيدة نتاج تصوّر وتصوير عن الطبيعة والإنسان، «لهذا كان لكل حقبة زمنية زمانها، ولكل زمن قصيدته. وعند هذا المِفصل يكمن تميّز الحداثة الشعريّة».

يستدعي تطور الزّمن تطور القصيدة في الشّكل والمضمون، لأن عجلة الحياة تقدّمية، تطرأ فيها تحولات على كل المستويات الفكريّة، الاقتصاديّة.. الّتي تتأثر وتؤثر في أشكالها التعبيرية ومنها القصيدة.

سأتناول شكلين للقصيدة من زمنين مختلفين، وهما القصيدة العموديّة والومضة، وأخص التمايز بينهما من حيث الأغراض والمواضيع وتجلياتهما في الشّكل والمضمون.

وصلت القصيدة العموديّة في شكلها وتنظيمها وبحورها الى شكل أو قالب جاهز، فإطلاق كلمة بحر على البحور الشعرية، نجد أن معناه في قاموس المعاني هي ضد البر وقيل سُمّي به لعمقه واتساعه. وهذا المعنى أدى وظيفته في القصيدة العمودية الّتي عبّرت عن عمق واتساع مشاعر وأحاسيس الشاعر الّتي بدورها أخذت من الصحراء الوسعة والقاحلة أي البر واقعًا عبّر الشّعر عن ضده في القصيدة. فالثنائية الضّدية بين البحر والبر اجتمعت داخل القصيدة شكلاً ومعنًى. فالمعنى هو نتاج الأغراض الّتي تناولتها القصيدة ومنها: الغزل، المدح.. وغيرها، الّتي تطوّرت مع توالي العصور من الجاهلي إلى الأندلسي. وهذه الأغراض المعنوية الّتي كانت ترسم معالم الإنسان في تأثره وتفاعله مع البيئة المحيطة على مستوياتها السياسيّة والاقتصاديّة كلها.. ففي العصر الجاهلي كانت القبيلة هي مجتمع الشاعر والغزو وسيلته للعيش ماديّاً ومعنويّاً، لذا نرى في معلقة عنترة ومطلعها «هل غادر الشّعراء من متردّم.. أم هل عرفت الدّار بعد توهّم» تبرز الأطلال هنا حياة القبيلة، فعبرت من مطلعها عن الانتقال من مكان الى آخر، وهذا الانتقال يبرّر تنقل الشاعر في القصيدة من موضوع لآخر أو من غرض لآخر. فضمن هذه المعلقة نجد أيضًا الفخر والشجاعة. أما إذا انتقلنا الى القصيدة في العصر العباسي فنجد عند أبي تمام وهو من أنصار التجديد في القصيدة وذلك مرتبط بطبيعة العصر الّذي توافدت اليه روافد عديدة ومتنوعة من المعارف والترجمات في كل الاختصاصات، ليكون التجديد في تقديم المعاني وتنوّع في البيان والبديع، فتطورت القصيدة من حيث المعنى مع المحافظة على الشكل، وفي قصيدته الّتي مطلعها «السَّـيفُ أصدقُ أنـبَاءً مـــنَ الـكُـتـبِ.. في حدهِ الـحَـدُّ بين الـجِـد واللَّـعبِ»، تنوّعت فيها الأغراض من السخرية، الوصف.. الّتي  كشفت عن طبيعة الحياة أيضًا الّتي عاشها الشّاعر حيث استمرت الحروب، واستمرّ الشاعر بالتعبير عن تلك الحياة والبيئة، وبقيت القصيدة تضمّ هذه الأغراض بشمولية، وتسمح مساحة القصيدة بالغوص وتوفر بحور الشعر هذه المساحة أيضًا.

أما الومضة في قاموس المعاني ومض أي لمع لمعانًا خفيفًا، ننتقل هنا من مستوى البحر الى لمعة البرق في السماء، يعني تبخّر الماء وتشكّلها على هيئة سحاب هذا ما يحصل في الطبيعة، وانسجامًا معها تأخذ القصيدة هذا المسار، كما تماثلت القصيدة بالبحر وتماهت مع عمقه لتنسجم مع البيئة الّتي احيَت هذا النموذج، فكذلك الومضة تماهت مع الطبيعة حيث اتصلت مع المصدر الأساسيّ للمطر من جهة، ومن جهة أخرى تماهت مع العصر حيث مفهوم الاقتصاد بعدد الكلمات ليأتي الشكل مناسبًا مع الدلالة الطبيعية وسمات الومضة الشعرية.

إضافة إلى ذلك، وتماهياً مع الطبيعة حيث اتصل الومض مع المصدر الأساسي للمطر كذلك الومضة اتصلت مع مصدر المعرفة والثقافة، لتصبح الومضة ليست فقط استيعاب المعارف القديمة وأشكالها بل تستلهم أغراضها ومواضيعها من مصدر الحياة، والتعبير عنها بحسب زمانها وما يحمله من هموم وهواجس وغيرها من الأحاسيس الّتي يعبّر عنها الشاعر في قصيدته. هذا يعني أن الأغراض المستخدمة في القصيدة العموديّة يمكن أن تتقاطع وتتشابه مع تلك المستخدمة في قصيدة الومضة، لتنتج بدورها معنًى متصلاً بالحياة، وهذا المعنى أدى دوره في القصيدة العموديّة وأثر على شكل القصيدة حيث استرسل الشاعر في تعبيره وكأن هذا يساعده في تحمل عناء السفر والانتقال من مكان لآخرِ من ناحية، ومن ناحية اخرى للتعبير عن المعارف الّتي كوّنتها تلك الحضارات، أما المعنى الّذي تنتجه الومضة فمرتبط بمصدر الحياة والتعبير أيضاً عن المعارف الّتي تراكمت وتوسعت، لذا يستدعي هذا العصر أن تؤدي الومضة فيه دورها في التعبير عن الشاعر/الإنسان وما يختلجه من أحاسيس ومشاعر في زمن متسارع، حيث تتيح  التكنولوجيا الوصول الى المعلومات إلا أنها تشكل في آن تحديًا وتخلق هواجس مغايرة عند الشاعر تجاه الإنسان والإنسانية.

خلاصة ما ورد، تتمايز الومضة عن القصيدة العمودية من حيث الشّكل، لكنهما تتقاطعان  في الأغراض والمواضيع المتناولة. ولأن لكل زمن شكله التعبيري لذا تواكب الومضة العصر في الاقتصاد وفي سرعتها في القراءة والتداول من حيث الشّكل، أما المضمون أي المعنى فهي ثرية على مستوى الشاعر/الإنسان الّذي لا يزال يكتشف ذاته وذاته الكونية. وتؤدي دورها في الولوج الى العمق الإنسانيّ في محاولة منها للإضاءة على ما لم يُكتشف في غور الإنسان/الشاعر.

*ملتقى الأدب الوجيز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق