ثقافة وفنون

العشق والحدود ومسلسل شارع شيكاغو

} زياد كاج*

 الناس موتى وأهل الحب أحياء»..

  بهذه الجملة الساحرة يختم مسلسل «شارع شيكاغو» حلقته الأخيرة. سرقني الشارع وعالمه الذي أعادني الى أيام دمشق الستينيات مع قصة حب لا تعرف الحدود بين فتاة عمياء (سلاف فواخرجي) بدور «ميرامار» وشاب يساري قبضاي مراد (مهيار خضور) يلعب دوره كهلاً الممثل القدير عباس النوري. تعرّض المسلسل ظلماً للنقد بحجة الخروج عن التقاليد وخدش الحياء في عدد من مشاهده. كما تخللت العمل خلافات بين بعض النجمات والمخرج المميّز محمد عبد العزيز (صاحب «المهاجرين»، « حرائق»، و»ترجمان الأشواق»). تقفز الدراما الاجتماعية التاريخية والرومانسية بين حدود الزمن الحالي وزمن الوحدة بين مصر وسورية في فترة الستينيات حين كان «المكتب الثاني» يُحكم قبضته على الحياة السياسية والعامة.

 نادراً ما يجذبني مسلسل خارج الأيام الرمضانية كما فعل «شارع شيكاغو» (كان اسمه الحقيقيّ «شارع بور سعيد» في دمشق ذلك الزمن) وعالمه الخاص الذي يشبه في أجوائه الأفلام الأجنبيّة من حيث الديكور والموسيقى التصويرية وسرعة وحسن إدارة الممثلين وحنكة الحوار وتعدّد الحبكات الى جانب الحبكة الرئيسيّة: هروب ميرامار مع حبيبها وملاحقة أخيها برهان، المسؤول الأمني الكبير (جوان الخضر). كل ممثل وممثلة في المسلسل كانوا أصحاب وشخصيات مميّزة وحضور. فنحن أمام قامات مثل أمل عرفة (سماهر)، شكران مرتجى (ستيلا)، نادين خوري (هدى شقيقة ميرامار)، نظلي الرواس، يوسف رمضان (التحرّي) وغيرهم. فالمواقف والأحداث المتتابعة جعلتني أقع في عالم من السحر لا ألم حقيقياً فيه. شيء من المبالغة الدرامية المقصودة لإراحة المشاهد في زمن مُتعِب. يظهر الممثل القدير دريد لحام بدور قصير ينتهي مقتولاً خنقاً لتبدأ الأسئلة وخيوط اللعبةالأحجية: مَن هي ميرامار؟ مَن قتلها؟ أين دفنت؟ أم أنها لا تزال على قيد الحياة؟ هذا ما سيكتشفه مراد في شيبه بمساعدة تحرّ تتسبب القضية بطرده من السلك.

 ذكرني المسلسلالذي بدا أكثر تماسكاً وغموضاً في النصف الأول من حلقاته لأسباب يعود بعضها الى تكشف خيوط الحبكةبرواية مميزة قرأتها منذ سنوات بعنوان «شيكاغو» (دار الشروق، 2007) للكاتب المصري المعروف د. علاء الأسواني والتي تدور أحداثها في الحي العربي في مدينة شيكاغو الأميركية. تعرّضت الروايةكما المسلسلللانتقادات ووجهت للكاتب الاتهامات بسبب الحديث عن الجنس المبالغ فيه في الرواية وطرح مسألة الحجاب. ومعروف أن الأسواني واجه مشاكل بسبب رائعته «عزازيل» واتُهم بسرقتها من أرشيف مكتبة الإسكندرية حيث يعمل. ومسلسل محمد عبد العزيز بدوره أظهر جماعة «الأخوان المسلمين» في دمشق الستينيات على أنهم جماعة من المتعصبين وقياداتهم تسعى ضمناً وراء الكسب المالي (قصة الذهب المطمور).

 كثرة الانتقادات للعمل الناجح هي شهادة جدارة تعلَّق على صدر صاحبه. نحن نصنع من النجاح «حريقاً» وهمياً (ينتهي المسلسل بإحراق الأخوان لشارع شيكاغو) فيما المجتمعات المتقدّمة تصنع من حرائقها نجاحات. لا أحبّ مسألة جلد الذات ولا اللطم ولا نشر الغسيل الوسخ. معظم الأفلام الغربية التي تتضمن مشاهد حرائق كبيرة تستعين بفريق «شيكاغو للإطفاء»! لأنه الأحدث والأكثر خبرة في الولايات الأميركية. ففي العام 1871 وقع حريق شيكاغو العظيم الذي اعتُبر من أكثر الكوارث المدمرة في القرن التاسع عشر. قُتل أكثر من 300 شخص وتحول أكثر من 17450 مبنى الى رماد من منازل ومحال وفنادق كانت مبنية من الخشب. استمرّ الحريق يومين في صيف حار. وتقول الحكاية الشعبية إن بقرة ركلت فانوساً تسببت بالحريق. اُعيد بناء المدينة على الطريقة الحديثة لتصبح إحدى أكبر المدن الأميركية.

  أعادني «شارع شيكاغو» الى أيام الحب والعشق أيام المدرسة الثانوية. أيام الشباب والدراسة يوم كانت القلوب شابّة وكان الحب حقيقياً لا يعرف المصلحة ولا يرسم المستقبل. يدخل القلب في حالة سكر روحانيّ ويدخل العقل في غيبوبة. فالعشق الحقيقي لا يعترف بالحدود ولا بترسيمها. وأخطر حالات العشق التي عايشتهاولم أعشهاخاضها من كان مثل مراد: شاب جذاب قويّ على قدر من التهور (يترك لقاء مع شي غيفارا ليلحق بطيف ميرامار في زواريب حي دمشقي). فهؤلاء كانت قصصهم كأنها من عالم الخيال.

 الأستاذ عبد الأمير قطيش، اُستاذ مادة الجغرافيا، في ثانوية رمل الظريف (تغير اسمها اليوم) كان صاحب شخصية مميّزة عبقريّة ويهوى رسم الحدود. بعثيّ عراقيّ حسب وشوشات الطلاب في زمن كان غير الحزبي يعتبر غشيماً خلال الحرب الأهلية. صلعته كانت لافتة؛ يحفظ الأرقام غيباً بشكل صادم وينطق بالمعلومات بنبرة لا تترك لك مجالاً غير الاستماع. فالأستاذ عبد الأميركغيرهكان يقف على حافة ترتفع عن أرض قاعة الصف بأقل من نصف متر. صاحب شخصية مرحة لا ينقصها الجد عند الطلب.

« أنت.. ماذا يعمل أبوك وكم يبلغ عدد أفراد أسرتكم؟»، أخذ قطيش البعثي يسأل كل طالب. الى أن وصل الى أحدهم فقال: «نحن عشرة في البيت أستاذ».

« ماذا يعمل أبوك؟».

« لحام؟».

« ممكن.. يجوز الأمر».

 ساد الضحك. ومرة طلب منا رسم خريطة لبنان. فرح الطلاب لتجربة تخيّل شكل البلد كل على طريقته. كنت مولعاً بالرسم. حسبته واقفاً (اكتشفت على كبر أنه منبطحاً!) فرسمت الخريطة على شكل خسّة، وفي خيالي مدينتي بيروت داخلة في البحر. بقلم رصاص حدّدت الحدود: شمالاً وشرقاً سورية، غرباً البحر المتوسط، وجنوباً فلسطين. ثم لونت الخريطة بألوان متعددة مستخدماً قطعة قطن. كان الأستاذ قطيش يتمشى بين مقاعد الطلاب. توقف قرب طاولتي لبضع لحظات، أثنى على الرسمة وأكمل خطواته. تلك الحصة علمّتنى أن الحدود بين الدول هي «وهم» وأن الخطوط التي نراها على الخرائط في الكتب ممكن أن تتغير عبر الزمن وبسبب الحروب أو العوامل الطبيعية. لا حدود ثابتة على الخرائط ولا في مملكة العشق الحقيقي ولو كان نادراً.

 رحل الأستاذ قطيش بشظية قذيفة عشوائية خلال الحرب الأهلية.

 لا حدود بين البشر ولا خرائط أطلسية. عرفت في حياتي عشاقاً حقيقيين كثر. وقف أحدهم يوماً على حافة صفنا ورقص أمام الأساتذة رقصة جون ترافولتا في فيلم «حمى ليلة سبت». صديقي كان طويل القامة، يحرص على ارتداء الثياب الدارجة وغالباً ما شاهدته في رفقة مَن هم أكبر منه سناً. عشق المرجلة والسهر والرقص والجنس اللطيف.. الحسناوات كن يتنافسن عليه. لكنه كان فاشلاً في الدراسة. ترك الكتاب ومقاعد الدراسة من أجل حواء وشقيقاتها.

  فرّقنا الزمن. كُل ذهب في قدره. بعد سنوات عُدنا والتقينا زملاء في مؤسسة واحدة. وجدت صديقي عل حاله مع بعض الرصانة والرغبة في الوصول وتجميع ثروة. «لماذا أنت مستعجل كي تصبح ثرياً؟»، سألته وهو في وظيفة متواضعة ومدخوله محدود. «عشقان»، أجاب بألم.

«معقولأنت؟!!».

 احترت لأمر صديقي المتيم والملوع. هو الذي كانت الفتيات يتراكضن خلفه ويتنافسن في الوصول الى قلبه يجد نفسه اليوم مسجوناً في قلب فتاة يرفض والدها أن يزوّجه إياها لضيق حاله ولكونها تنتمي لأسرة أكثر غناً وثراء.

مسكين صديقي. طيب القلب وحنون. صار عاشقاً بلا حدودتماماً مثل مرادوبينه وحبيبته حدود طبقية لا ترحم. في يوم مشمس على الشاطئ أخبرني أنه قرر الزواج خطيفة من حبيبته. لكن والدها العنيد سمع بالخبر فأخذها في رحلة سياحية الى قبرص في محاولة منه أن يُنسيها إياه. لم يرها منذ أسابيع. قالها وبكى ونحن نقف في بركة الماء تحت أشعة الشمس. لا المياه برّدت قلبه ولا الشمس جفّفت دمعه.

  عرفت بعد أشهر من الأصدقاء المشتركين أن «الدونجوان المتقاعد» قد تزوّج حبيبته فسررت له. عدت ألتقيه بشوشاً مبتسماً كأنه في عيد. يبدو أن عمه العنيد رفض مساعدتهما، فاضطرت زوجته أن تعمل مدرّسة في إحدى المدارس الخاصة. أنجبا أولاداً فلانَ قلب الجد قليلاً. لأن الحفيد يلين الحديد!

 دار دولاب الزمن دوراته الكبرى وكبر الأولاد في ظل رعاية أهل بقي الحب يضيء ويدفئ بيتهم المتواضع. لكن الحياة هي سرير من ورد وشوك وتخضع لقانون حدود القدر.

 هبط الخبر عليّ كالصاعقة: خسر صديقي ابنه البكر وهو في زهرة شبابه. كان يمارس رياضة الغطس وعلق بين الصخور في المياه العميقة وسط تيارات قوية. بقيت فرق الدفاع المدنيّ المتخصّصة في الغطس تبحث عنه لأيام الى أن وجدوا الجثة منتفخة في منطقة ليست بعيدة. دخل الأسود والفاجعة بيت صديقي حيث طال الحداد والحزن وربما لا يزال.

 بعد سنوات رأيته صدفة على الكورنيش البحري لبيروت متأبطاً ابنته. بدت علامات قسوة الزمن والفقدان على وجه صديقي. لم أجرؤ على التقدم منه وتعزيته. لا أحب نكش الأحزان التي غطاها الزمن بطبقة رقيقة من النسيان. مشى صديقي «العاشق بلا حدود» على مقربة مني من دون أن يلاحظني. تأملته يعبر مع ابنته الوحيدة تماماً كما فعل «مراد» (عباس النوري) في «شارع شيكاغو» وهو يركض صعوداً نحو الدير المعزول في الصحراء، ينادي باكياً أسم ابنته الوحيدة التي علم للتوّ بوجودها فكانت كل ما بقي له من معشوقته الخالدة في قلبه… «ميرامار».

 

 *روائي من لبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق