مرويات قومية

خُذُوا أسرارهم…

 

} عبد المجيد زراقط

اعتادت «شلَّة الكتَّاب الرَّهيبة»، كما يُسمُّونها، في عالم النَّميمة، السَّهر، كلَّ ليلةٍ، في مقهى الأسرار، المشهور بأنَّه مقهى المثقَّفين.

يقع هذا المقهى في شارع المدينة السِّياحيَّة المزدهرة الرَّئيسي. للشلَّة مجلسها المعروف في داخل المقهى، وهو مجلسٌ يقع في الزَّاوية الأماميَّة من زوايا المقهى، المطلَّة على الخارج، ولا يفصلها عن المقاعد الموزَّعة على الرصيف سوى الزُّجاج الشفَّاف الذي يتراقص في أعلاه اسم المقهى: ألأسراااار بالأضواء الملوَّنة.

يجلس أفراد الشلَّة حول طاولة مستطيلة، وينحنون، فتلامس لحاهم الطويلة زجاج الطاولة، وتتقارب رؤوسهم، ويحكون، بأصوات خفيفة، فلا يسمع حَكْيهم، سواهم، أمَّا ضحكاتهم المجلجلة التي ترتفع، في كثير من الأحيان، فيسمعها الجميع. وعندما يرفعون رؤوسهم يتلفَّتون في كلِّ ناحٍ، ويعيدونها، ويحكون عمَّن رأوهم جالسين قربهم أو بعيداً عنهم

في هذه الليلة، وفي أوَّل السهرة، لم يكن عقد أفراد الشلَّة قد اكتمل بعد.

«و» تأخَّر في المجيء على غير عادته. عجب الجميع للأمر، وتساءل «أ»: لمَ يتأخَّر، والليلةُ ليلتهليلة احتفالنا بنيله الجائزة!؟ ضحك «ب»، وقال: هذه عادة كبار القوم، يظنُّ أنَّه صار من كبارنا، بعد أن نال الجائزة، فصار يحقُّ له أن يتأخَّر، وأن ننتظره

وقطع «ب» حديثه فجأة، وأشار الى الخارج، وقال: انظروا من أتى… «المخدوع»… نظروا، فرأوا الكاتب الذي يسمُّونه «المخدوع» يقف وراء الزُّجاج، ويجلس على كرسيٍّ، ويضع رجلاً على رجل.

قال «أ» : لم نره من قبل يجلس في هذا المقهى! قال «ب»: الجائزة أتت به. سأل الجميع: وما شأنه بها؟ أجاب «ب» : علمت أنَّه هو من كتب القصة التي نالت الجائزةقال «و» له، بعدما أُعلن عن التقدُّم للجائزة، وبعدما قرأ تلك القصة التي عرضها «المخدوع» عليه: تقرَّر أن تكون الجائزة لي. أعطني هذه القصة، وأرضيك. سأله: ولم لا أقدِّمها أنا و؟ قاطعه : قلت لك ما تقرَّر، وأنا أريد قصة جيِّدة، وسوف أرضيك، ويبدو أنَّ «و» لم يُرض «المخدوع»، كما وعده، فجاء ليطالبه بحصَّته

لم يكمل «ب» كلامه. كان «و» يقف خلفه، ويمسك ياقة قميصه، ويشدُّه بها، ويقول: أنسيت لمَ سُمِّي المخدوع مخدوعاً!؟ ألست أنت من استولى على مجموعته القصصيّة، عندما أعطاك ايَّاها لتنشرها، في الصفحة الثقافية التي تترأَّس تحريرها، ثم ادَّعيت ضياع القصص، وها أنت تستثمرها في ما تنشر من قصص وروايات!؟

قال «ب»: القصة قديمة، وقد عرفت كيف أرضيهأمَّا أنت فنصَبت عليه، كعادتك، مع مَن تتعامل معهم. فقال «و»: أنت دائماً كذَّاب. لقد أعطيته حصَّته، كما وعدته.

 قال «د» : معلِّم. أنت المعلِّم، وليس ذلك القصير الأصلع الذي يلتفُّ حوله مريدوه.

نظر الجميع الى «المعلِّم»، فرأوه يتحدَّث بحماسةٍ، ويحرِّك رأسه ويديه

جلس «و»، وهو يضحك. وأشار الى الخارج، وقال: المخدوع أمامنا، هل أدعوه الى مجلسنا ليحكي حكايته؟ قال «ج» : لا. الحكاية معروفة، ومن أين لـ «ب» هذه المعرفة العميقة بالقرية وشخصياتها!؟ وأنت، قل لنا كيف أرضيته ؟ قال « د» : لا تخافوا على «و» هو سيِّد من يشتري ويبيعوعلا الضحك.

 شاركهم «المعلِّم» الضحك، ورفع يده يحيِّي «و»، وراح يقهقه بصوت عال: فقال «د» : هذا الذي يسمِّيه مريدوه « المعلِّم « يقهقه كأنَّه يعرف ما نعرف!؟ فقال «ج» : وكأنَّه لا يعرف ما نعرفه عنه!؟ قال «هاء» : ومَن لا يعرف أنَّ ما يكتبه ويسمِّيه شعراً ليس له!؟ إنَّه يقرأ شعر كبار الشعراء الفرنسيين والانكليز وشعراء عالميِّين اَخرين، ويترجم أفكارهم وصُورهم الشعريَّة، ويكتبها نثراً يسمِّيه شعراً، وينظِّر في كلام عام غامضفقال «و» لـ «د» : ما دمنا في سيرة الترجمة أخبرنا كم دفعت لتُترجم قصصكللمترجم ولدار النشر، ثم للكتَّاب الذين كتبوا عن الروائع العربية المترجمة للغات العالمية!؟

 علا الضحك من جديد. ارتفعت يدان في الزاوية المقابلة، وصفَّقتا. قال «د»، بعد أن هدأت عاصفة الضحك : فرح صاحبنا، وصفَّق كأنَّه لا يعرف أنَّنا نعرف أنَّ دار النشر الفرنسية التي ترجمت روايته، ونشرتها، لم تكتف بأخذ المبلغ اللازم أجرة الترجمة وتكاليف النشر، وانما غيَّرت في روايته ما غيَّر الدلالة، فصارت روايته «مخصيَّة»، كما كتب ناقد ليس من شُلَلِنا، وعندما كتب ذلك ونشره، قامت قيامة صاحبنا، وسلَّط عليه «شبِّيحته»، يهجونه مرَّ الهجاء كلَّما أصدر كتاباً.

وفجأةً، قطع «المحظوظ» الحديث. كان قد دخل ووقف قربهم، وقال:

هو قامت قيامته، وأنا قامت قيامتي

علقت نظراتهم عليه، وقالوا:

السياسيُّ اللامع..

المتعهِّد البارع..

النَّجم الساطع..

ولحبِّ أبناء طبقته التي يُسمُّونها فاسدة جامع

أشار لهم أن اسكتوا. سكتوا، فقال: بهذا الكلامأنتم شاطرونأدفع لكم، وأنتم لا تكتبون لي، ولا تكتبون عنِّي!؟

قالوا: كتَّاب السياسة والاقتصاد يكتبون عنكمنحن نكتب عن الكتَّاب.

قال: أحبُّ أن أصبح كاتباً

قال «د»: ماذا تحبُّ أن تصير، شاعراً، روائياً، قاصَّاً؟ تنزيلات في نهاية الموسم

قال: لا تكمل. أحبُّ أن أكتب القصص والروايات.

قال «أ»: وتجمع مجد الفساد من أطرافه؟

قال: ولم لا !؟

قالوا، وهم يشيرون بأيديهم الى الخارج: ليس لك إلاَّ ذلك الشاب الأسمر ذو الشعر المنفوش

قال: هل يقبل؟ وإن قبل هل أصبح من شلَّتكم الرَّهيبة؟

قالوا: وهل يعصى عليك ما سهُل علينا!؟

وأضافوا: تصبح منها إن موَّلتها.

خرج، وهو يتفقَّد أضراسه العامرة بلسانه، ويقول من بين شفتيه المنفرجتين: المجد… من أطرافه، ولم لا…!؟ وكاد يصرخ: ولم لا…!؟ غير أنه أطبق شفتيه، وهرول، ليلحق بـ «المخدوع» الذي نهض عن كرسيِّه، ومشى…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق