ثقافة وفنون

تجربة حسن عطية جلنبو الشعرية… استنهاضٌ من الحنين والتموضع

 

} حاوره: الشاعر مصطفى بدوي، المغرب

شاعر يشكّل عوالمه على صيغته، يمخر الذكرى بقوارب الحنين إلى ريشه الذي  تركه وراءه في عمان، يشعل الخطو إلى المكان الأول، ويشرّع نافذة على دهشة الأشياء وما تقترحه شعرياً على الذات المتشظية.

هو شاعر يبحر على مشيئة الياسمين إلى ما يفجّر ينابيع القصيدة لتنساب وفق مقول شعري يرسم للجراح أخاديدها بلغة غنائية تتناثر على امتداد الديوان، إنه الشاعر الاردني  حسن جلنبو، الذي صدر له مؤخراً ديوانه الأول: «زهر حزيران»  عن دار الآن ـ الأردن، كان لنا معه هذا الحوار كي نقترب أكثر من استراتيجية الكتابة لديه.

الاحتفاء بالمكان والزمان في ديوانزهر حزيرانينهض بمفاصل التجربة الشعرية ولا يني عن الزجّ بها في  دوائر الحنين والأمومة والفقد،  باعتبارها ثيمات تؤسس للقول الشعري.. كيف شدّك المكان شعرياً حتى اضطررت إلى وضع مقدمة تضيء فيها هذه الطقوس؟

من الضرورة بمكان، النظر إلى الإرهاصات، والدفقات الشعورية التي أسهمت في تشكيل الرؤية الشعرية في ديوانزهر حزيران، بشكل عام بحيث يأتلف معظم قصائد الديوان ضمن إطار يتسم بالحنين والشوق، ولعلَّ سنوات الغربة، كانت الداعي إلى تدفق الحنين بين طيات القصائد، ليشمل: الحنين إلى رائحة الأمِّ التي ترتبط بالمكان وترمز إليه، وإلى مرابع الصبا، وبيت الطفولة، فيجد في تشخيص الأماكن القديمة متنفساً، وتعويضاً عن الفقد، فيهرب إليها بعيداً عن واقعه ويسقط عليها رؤاه، للبوح عن مكنونه، لذا فقد كان لا بد من إضاءة في مقدمة الديوان تضع القارئ في صورة الإطار العام للقصائد والتي تضوع شوقاً وحنيناً، إذ إن الارتباط بالمكان والناجم عن البعد والفقد سيكون له أثره بكل تأكيد على الدفق الشعوري فيرسم صورة متكاملة تجمع قصائد الديوان، لتصوِّر رحلة النزوع إلى بيت الطفولة ومرابع الصبا، على نحو يبرز الحنين إلى الحميمية التي يفتقدها في غربته.

تحضر في الديوان تجربة المزاوجة داخل النصّ الواحد بين تشكيلتين وزنيتين وهذا ما يحيل القارئ الى تجربة الرومانسية المهجرية تحديداً، فما الرهانات التي كنت تتغيّا وأنت تطرق هذا الشكل المزدوج؟

إن المراوحة بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة في النص الواحد قد تكون انعكاساً لازدحام الدفقة الشعورية في ذهن الشاعر،  بحيث تهجم عليه موسيقى النص فتحمله بين الأصالة والمعاصرة، لتجده يمزج داخل القصيدة بين النوعين، وقد تبدى ذلك في أكثر من قصيدة في الديوان، ولعله أكثر حضوراً في قصيدةزهر حزيرانالتي سُمّي بها الديوان، وتجدر الإشارة إلى أن الإرهاصات الداعية إلى كتابة هذه القصيدة كانت ناجمة عن فيض من الحنين إلى الزمن الماضي، بالشخوص الذين كانوا يمثلون جزءاً أساسياً من تكوين تلك المرحلة، والذين كان لهم حضورهم في قصائد عمودية رافقت بداية النظم الشعري قبل أن اكتمال نضج التجربة الشعورية، والقدرة على قيادة قصيدة التفعيلة بكل مهارة، فقد كان لازدحام الدفق الشعوري أثر واضح في تركيب جسم النص الشعري في هذه القصيدة على نحو يمزج بين النوعين الشعريين لرسم صورة واحدة ينتقل فيها من وصف أثرحزيرانهذا العام، وما جاد به من حلل الوصل والوئام الانتقال إلى أنسنة الحزيران ومخاطبته ودعوته إلى الانتظار والتمهّل.

في بعض النصوص، تستوقفنا مرجعيّات وظلال بعض الشعراء العرب (لغة الحديث اليومي مع صلاح عبد الصبور، غنائية حجازي وملحمية محمود درويش ونثرية سعدي يوسف)، فهل كانت العملية واعية أم هي هيمنة المقروء وهو يتجلّى عبر مقولك الشعري؟

لا بدَّ أن المرء خلال سنوات الدراسة والقراءة والاطلاع، سيتأثر بالمخزون المعجميّ المعرفيّ الذي تشكل لديه بموجب تركيزه على جانب معين من القراءة وفقا لما تميل إليه نفسه، ولستُ أنكر تأثري الشديد بأسلوب كل من قباني، ودرويش، ومعجمهما الشعري، وقراءاتي المتعددة في نتاجهما الأدبي، ولكنني لا أستطيع أن أجزم بأنني أتعمد إبراز هذا التأثر بهما بالدرجة الأولى، فتجدني في كثير من القصائد بعد الانتهاء من كتابة القصيدة أتنبه إلى ذلك الحس النزاري أو الدرويشي بسبب الشوق إلى المحبوبة / الأرض في شعريهما، فيتبدى هذا التأثر جلياً من خلال حضور روحيهما في النصوص.

ما الأفق التي تجترحها وأنت تحتمي بالقصيدة؟

في كبرياء الشعر، «لم أزل أبحث عن طيف بهيٍّ لم يجئني»، لعل هذه العبارة تشير إلى المدى الذي أطمح إليه في قصائدي، فأنا ما زلت رهن فترة من الزمن هي الحاضرة في تفاصيل يومي وحنيني، ألتمسها في وجوه العابرين، وفي قصائد الشعراء، وتوصيفاتهم، ولذلك فقد وجدتني أكتب الشعر سلسا عذبا يخاطب الأرواح قبل العقول، ليس يعنيني في القصيدة أن تكون وعرة متكلفة، لا تهدف إلا إلى إبراز المخزون الثقافي والمعرفي والتراثي، بقدر ما أطمح إلى جعلها لوحة فنية مرسومة بريشة فنان يهوى الطبيعة وإبراز جمالها بعيداً عن التعقيد والإسراف في الخيال، ولعل شعر الحنين والشوق يتطلب من الشاعر أن يكون مباشرا في التعبير عن مكنونه، وإخراج ما يعتمل في نفسه على نحو يصل إلى قلوب القارئين والمستعمين، بألفاظ أنيقة رشيقة لا تحويلها الى فلسفة عميقة دقيقة.

إن قصائد «زهر حزيران» كُتبت معظمها خلال الشهور القليلة الماضية، وبالتالي فهي تحمل صفة عامة مشتركة في غالبها، تنزع إلى الحنين والشوق والرغبة في اللقاء، وقد يتبدّى ذلك جلياً من خلال كثرة ورود الألفاظ التي تشي بالرحيل والحنين والسفر والمرافئ، وغيرها، فهي تحاكي الوجدان بشاعريّة عاشق  يصوّر المرأة الحبيبة والعشيقة والرفيقة كامرأة حقيقيّة تسكن الفؤاد، وكرمز للقيم الجمالية بحيث تعكس المشاعر التي تعتري الشاعر في غربته، وما نتج عنها من مرارة تتمثل في حالات الفقد التي عاشها بعيداً عن الأهل والوطن، كما يعكس مكاناً في قلبه لامرأة أخرى هي الوطن.

حسن عطية جلنبو في أسطر

شاعر أردني يحمل درجة الماجستير في الأدب العربي المعاصر. صدر له كتاب بعنوان «ملامح التراث في الشعر الفلسطينيمعين بسيو أنموذجاً».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق