آراء ودراسات

اللامركزية الإدارية واللقاحات

} د. حسان الزين*

 ما زال كوفيد التاسع عشر يمارس هواياته المفضلة ألا وهي الانتشار الواسع واقتناص الأرواح الطاهرة.

 ففي شتى أنحاء العالم قام العلماء الذين لم يألوا جهداً بابتداع المقاربات والبروتوكولات المتعدّدة لمواجهة الجائحة فلم يتوانوا عن التفكير والعمل الجادّ لرفع مستوى التشخيص والعلاجات على حدّ سواء.

بدورها أنتجت الشركات العملاقة أدوية تعمل على جميع المستويات العلاجية محاولة منها للمساهمة في هذه الحرب الضروس إلا أنّ أغلب هذه الأدوية لم تقدّم النتائج المرجوّة فكانت أغلبها دون قيمة علمية سريرية وحتى على مستوى الدراسات لم تثبت الفعالية العالية، بل انّ الشركات الكبرى في المحصلة استفادت من التصنيع والتعليب وإعادة الإنتاج لبعض الأدوية وتنامت ثرواتها بشكل مهول وصل الى حدود خيالية. ورغم كلّ ما تراكم من تجارب لم يحسم الأطباء والعلماء خياراتهم النهائية، وقد يرجعون ذلك لعدة أسباب

1 ـ أولاً، لضعف معرفتهم الكلية بالفيروس ومكوناته وتأثيراته.

2 ـ ثانياً، للتخبّط العام في إدارة الأزمة لوضع آليات واستراتيجيات واضحة وهادفة

فعلى سبيل المثال لم يكن هناك استراتيجيات موحدة على حدّ سواء لا شرقاً ولا غرباً لا في الوقاية ولا في العلاج، بل كان هناك شيء من الموضة تذهب وتأتي، تروح وتجيء، بل أغلبها يلامس عارضات الأزياء في الحفلات، ولكن مما لا شك فيه أنّ هناك جهداً من الأطباء والمنظومات الصحية لا يمكن إلا أن ترفع القبعة له

هذه الحقائق المرة حول الشركات الكبرى يطرح السؤال الأساسي: من يحاسب هذه الشركات على هدر الأموال في الدواء الغير فعّال واستغلال الشعوب؟

ومن هذا الباب الواسع نفد أسطول شركات الأدوية إلى بناء ثروات ضخمة، فقد جنت مافيا الدواء المليارات، عوضاً بأنّ هناك منظومة يشتمّ منها دوراً تسويقياً للكثير من الإجراءات الطبية. ورغم كلّ العقبات اجتهد العلماء منذ البداية لتأمين اللقاح الذي هو أهمّ عنصر في مكافحة جائحة كورونا فقامت عشرات الشركات بالدراسات والتجارب فنجحت بعضها واخفقت أخرى. الى أن أبصر الفجر على اللقاحات، ولكن الناس اختلفت حولها بين معارض وبين موافق حيث ينقسم الناس الى أصناف ثلاثة بالنسبة للقاح الجديد.

١مجموعة ترفض اللقاح نهائياً وتعلل ذلك بأنّ القرار المعجّل لاستخدام اللقاح هو في حدّ ذاته عامل عدم ثقة بجميع اللقاحات وهذه المجموعات والفئات منتشرة في العالم أجمع، فهناك إحصائيات كثيرة يصل منها ما يقارب ٨٠% يرفضون اللقاح في بعض المؤسسات، ويتردّد الكثير بنسبة ٢٩% في الولايات المتحدة على سبيل المثال، لذلك من المفيد العمل على إعادة الثقة لهذه الشريحة لأن لا غنى عن آلية اللقاحات بابتداع الأفكار والمقاربات.

٢الفئة الثانية. تريد التلقيح بالآلية القديمة المتبعة منذ الخمسينات كاللقاح الصيني أو الروسي أو الإيراني الآتي مع الأيام المقبلةلأنّ هذه الفئة تخاف من الآلية الجديدة المتبعة من قبل شركات معينة منتجة لقاح.

٣الفئة الثالثة التي تريد التلقيح بأيّ لقاح متوفر في الميدان وهذا ما يحصل في لبنان بحيث لم يتوفر حتى اللآن إلا لقاح شركة بفايزر نتيجة اعتبارات اقتصادية وسياسية، ولعلّ ضيق الخيارات دفع المعنيين لتفعيل آلية المرسال الحامضي.

 على أمل قدوم اللقاحات الأخرى.

لذلك تعتبر عملية التسريع بالخيارات الأخرى للقاحات الموجودة في لبنان الآن من أهمّ العناصر الاستراتيجية لاحتواء كلّ المزجات الشعبية المتأرجحة ومحاولة إرساء تلقيح مجتمعي يصل الى 70% على الأقل الذي هو الهدف الأمثل للمجتمع اللبناني.

وهذا ما تقوم به الوزارة حسب تصريحات المسؤولين فيها وقد يكون حساب البيدر أحياناً مختلفاً تماماً عن حساب الحقل.

ولكن السؤال الجوهري هل بوصول اللقاح الى لبنان انتهى كلّ شيء بالنسبة للجائحة.. او بجملة أخرى ما هي الاستراتيجية الأهمّ في مرحلة الانتقال من حالة الوباء الى حالة التلقيح؟

للعلم بأن التلقيح لا يفي بالتغطية مئة في المئة وبالتالي هناك نسبة على الأقل 5 بالمئة ستكون عرضة للفيروس، هذا إذا افترضنا أننا قمنا بتلقيح الشعب اللبناني بكامله، فهناك أكثر من ست ملايين مقيم وأثناء الجرعة الأولى هناك فترة الأيام الأولى التي هي منطقة فراغ مناعي قد يُصاب المرء خلالها، لذا على المطعّمين اتباع نفس الاجراءات الوقائية.

لذلك يجب ان يُطرح على المعنيين السؤال الآتي

ماذا لو لم يتمّ التجاوب بشكل كامل من قبل الشعب اللبناني مع الاستراتيجية المتبعة في عملية التلقيح؟

إذن ما هي الخطة المحضّرة إذا تطوّر الفيروس الى محورية أخرى ويتطلب تصنيع لقاحات أخرى او تطويرها وما هي الخطوات المعروفة للمساعدة بإسم استراتيجيات البدائل؟

 لذلك أهمّ معضلة الآن كيف تعود الحياة الى طبيعتها؟ وكيف يمكن الخروج من الإقفال بأقلّ خسارة ممكنة وكيفية التحضير للموجات المقبلة حسب الكثير من الخبراء؟!

الظاهر انّ الالتزام بالخروج التدريجي من الإقفال ضعيف بعض الشيء، لأسباب عديدة أهمّها الوضع الاقتصادي المحرج، والناس تبرر ذلك بكلمات مثل نريد ان نعيش وان نأكل لأنّ الخطة الاقتصادية غير كاملة، وزيادة على ذلك فإنّ الكثيرين لا يريدون الالتزام نتيجة انخفاض مؤشر الوعي؟

اذن ما الحلّ وماذا نقصد بالإقفال الانتقائي على قواعد الإدارة اللامركزية وخاصة البلديات؟

الملاحظ أنّ لبنان أمام خيارات أحلاها مرّ، إما الفلتان الكلي وعدم السيطرة الكلية على الفيروس او الذهاب الى السيطرة الهادفة والمركزة عبر الانتقاء الهدفي.

ومما تقدّمتبقى الإدارة اللامركزية هي من اهمّ الخطوات التي ستفعّل في الأيام المقبلة أمام التحديات الاجتماعية والصحية، وأمام الموجات التالية لجائحة كورونا، وستكون أداة فاعلة للمساعدة السلسة في الخروج هذه الأزمة القاتلة

*طبيب أطفال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق