آراء ودراسات

مسيرة العودة إلى الملف النووي الإيراني انطَلقَتْ… ودونها محطات

 السيد سامي خضرا

الكلُّ كان ينتظر أن يتسلّم الرئيس الأميركي الجديد منصبه بشكلٍ رسمي ليرى كيف يمكن أن يتعامل مع جملة مواضيع عالمية أساسية وأبرزها الإتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية والذي شارك في وضعه العديد من الدول الكبرى ومنها أميركا بعد سنوات من المفاوضات.

ولم يكن قرار ترامب في إلغاء الاتفاق إلا قراراً تصعيدياً متهوّراً ينتمي إلى طبيعة سياسته الرَّعناء مع مجمل الملفات التي كانت موضعَ قراراته.

ومنذ ذلك الحين تأزَّم الوضع مع الجمهورية الإسلامية خاصةً أنه أُرفق بجملة خطوات تصعيدية لخنقها تمهيداً لخضوعها كما كان يتمنّى.

وزاد الوضع تأزّماً مع الموقف المائع للاتحاد الأوروبي خاصةً فرنسا وألمانيا حيثُ تبيّن لاحقاً خُبث ما يُضمرون، فلم يكونوا عامل تقريب أو تخفيف للتوتر أو سعي لعودة الأمور إلى نصابها الطبيعي بحسب نصوص الاتفاقية بل تبيَّن لاحقاً أنّ أوروبا تلعب دوراً انتهازياً سيئاً وماكراً لا يقلّ خطورة عن الموقف الأميركي.

ولذا بقي السؤال هل الإدارة الأميركية الجديدة سوف تعود إلى احترام الاتفاق النووي؟

الجواب هو «نعم».

 ولكن ليس بالطريقة الأوتوماتيكية السريعة والسهلة لأنّ هناك جملة مُتضرّرين من بينهم الكيان «الإسرائيلي» ونظام السعودية الذي يتورّط يوماً بعد يوم في مواقف وسياسات أكبر من حجمه بكثير قد تؤدّي به لاحقاً إلى مهوارٍ لا يقوم منه أبداً.

من أجل ذلك وإنْ كنا نجزم بعودة الأميركيين إلى الاتفاق النووي لكن هذا لن يكون سهلاً أو من دون تقييدات وتعقيدات أو مع شيءٍ من فرض تفاوض من خارج سياق الاتفاق وليس عودة وتسليماً حرفياً له.

فأميركا تريد أن تُحسِّن شروط الاتفاق وبنوده قدر الإمكان وتستفيد من الموقف الأوروبي بشكلٍ عام وفي نفس الوقت تُراعي الموقف «الإسرائيلي» والخليجي عموماً حتى لا تبدو ضعيفة أمامه، ومن جهةٍ أخرى فإنّ إيران لن ترضى بعودةٍ من دون إلغاء كافة العقوبات التي فُرضت عليها.

فالإدارة الأميركية الجديدة تعلم أنّ أشكال العقوبات (وهي مستمرة منذ عقود) لن تصل إلى أهدافها مع دولة مثل إيران التي خَبِرَتْها وأصبحت مُتخصّصة في مواجهتها بل تحاول وبالرغم من الصعوبات والآلام أن تستفيد من بعض الإيجابيات في إطلاق يدها ومن دون تقييدات.

 ومن جهةٍ أخرى إنّ السياسة الأميركية الحالية سوف تُؤدي إلى تعقيدات وتوتُّرات في المنطقة من الخليج إلى بلاد الشام والعراق وهذا ليس لصالح الإمبراطورية الأميركية المرتبكة من الداخل ومع الخارج.

فأميركا تنظر لعودتها إلى الاتفاق النووي من زاوية رسم سياسات في المنطقة لتأمين حَدّ أدنى من الاستقرار في غرب آسيا والتي تتعرّض مصالحها فيها لضرباتٍ متتالية بل لحرب إستنزاف لحلفائها.

 وهذا الذي يجري فعلاً في اليمن والعراق وسورية ولبنان.

فالحكومة الأميركية الجديدة تُريد على الأقلّ التخَفُّف من حركة التأزّم الدائمة في المنطقة لضمان شيء من الإستقرار لوجودها ولحلفائها فتريد أن تستفيد من العودة إلى الاتفاق النووي لتنظيم قواعد الاشتباك مع الجمهورية الإسلامية القوية الأذرع في المنطقة باعتراف الخصوم قبل الحلفاء.

ومن هذا المنطلق كان الموقف الصارم للإمام السيد على الخامنئي الذي اعتبر في خطاب له مؤخراً أنّ الجمهورية الإسلامية هي التي من حقها أن تفرض شروط العودة بعد أن استجابت لكلّ بنود الاتفاق وليس الأطراف الأخرى التي نكثت بعهودها ومواثيقها فلا يحقّ لها أن تفرض شروطاً لإرضاء هذا الفريق أو ذاك كمناقشة مصير وملف الصواريخ البالستية أو تشريك السعودية في المفاوضات بشكلٍ رسمي.

فإضافةً لِما نطق به الإمام الخامنئي هناك إشارات واضحة ذات دلالات للشعار الذي رُفعَ بشكلٍ مقصود على المنصة في خطابه والذي نَقَل عن الإمام علي بن أبي طالب قوله «إنّ العدو رُبما قارب ليستغفل فخُذْ بالحزم».

وهذا كاف لنعلم أنّ مسيرة العودة إلى الملف النووي قد إنطلقت ولكن دونها محطات تحتاج إلى الكثير من الصبر والحنكة والتي لا تَنقص المفاوض الإيراني المُتمرّس.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق