أخيرة

وصاياي النازفة تتدلّى من كستناء الحنين

} الشاعر مصطفى بدوي/ المغرب

سيلفحني يقيني لأعشقها دفعة واحدة

سيلفحني ما تشرئب إليه الشموع

لأسلّم روحي اليها على طبق شاعري

تهدهده لذائذ مهجتي

بقيثارة محمومة الصبوات سأهتدي

وأنا أحثّ الشوق نحو عيونها خطوة.. خطوة

ألملم في ليلها لوعة الأنثى

وسطوة الذكرى

أعرّي زهرة الصبار في العطش المدمّى

بالمسافات والأرق المصفّى من أنوثة عطرها

 وأقول:

هذا صهيل قصيدتي

بفجيعتي يأتيك منتشيا

فلتمنحيه خيمة أو نجمة في العراء

هذا عويل طفولتي

فلتحمليه موجة أو غيمة

نحو أقاصي شذاك..

هذا جنون خطيئتي

فلتغزليه قمرا في جفون رؤاك

***

يحدث ان تجتاز مساءاتك الباردة وأنت تحشو سهوك بخراطيش عزلتك القاتلة..

يحدث أن تتلبد فيك ميازيب الشهية.. أن تتكبّد صمتك بصدر أعزل من المبالاة..

يحدث ان تهزأ من فحيح المدّعين وما ينسجون من ترقيعات على كتف العناكب لفرملة عناب العنفوان فيك.. وأنت تُبحر في مركبك المجازي الجليل مكللاً بندوب الخسارات وعويل اللذاذات..

يحدث أن تقهقه في الظلام فارداً ذراعيك للتيه يا ابن التيه المحلّى بوجيب الرياحين..

يحدث أن تطفئ الحبر في حضرة هذا الغياب..

يحدث أن تدق مسمارك المجازي في الجدران كيلا توقظ غسان فيصيح: «لماذا لم يدقوا الخزان؟ لماذا لم يدقوا الخزان؟».

***

حديقة الخراب :

وأنت تقيم الوليمة للكلمات لا تنسَ أنك التقيت بها ذات مساء شاحباً في حديقة مهملة..

لم تكن مطلقاً في حاجة لساعة يدويّة لمراقبة الزمن لأنك كنت تدرك منذ عهد ابن آوى أن الزمن ههنا واقف تماماً ..

أيضاً، تكن في حاجة لترتق الفراغ بإزميل أوهامك اللامتناهية اذ يكفي انك كنت على الدوام تهزأ من جدية العتاة الواقفين كما الأشباح على الخرائب وهم مثل كورال تعيس يتثاءب بغباء حاد مردداً ببغاوية مذرّة للشفقة سيرة النجاح.. لم تكن لتؤمن بترهاتهم لأنك كنت ذكياً بهياً شذياً عصياً على الترويض وجوقة الجوخ..

كنت تدرك قبل غيرك أن قلاع القصيدة مشدودة مفاصلها لبياض الفصول. فذاك عنوانها وتلك مفردات الكتاب.

***

الذي لا أراه إلا في بياض الليل.. هو وجه أبي

الذي لا يتلوّى في دمي إلا في السهاد.. هو أول الندم ومعجم الغرق الأخير ..

الذي يعتلي قمم السقوط هو دمعتي في الفراغ المفتت كالغياب..

الذي يتقمّص دور الأمير في مسرحية لا مخرج لها لم يكن سوى موزع بريد مدمن على القمار..

الذي يشرف على شرفة بيرتولوتشي على وقع موسيقى بيو فياني لا يعشق بالضرورة سينما المؤلف التي سادت في سرادق العزاء..

الذي يتدلّى من كستناء الحنين ليس سوى طيفها في الظنون!

***

يا أصدقائي، أيها الرائعون

علّموا أبناءكم العزف على الاكورديون ففيه منتجع لأجنحة الرحيل الى الغمام حيث شوبان وباخ وشايكوفسكي..

علّموهم السباحة في بحيرة البجع فذلك خير لهم وأبقى مما قد يعن لكم من سفاسف الغوايات ..

علّموهم اللغات كيلا يضحك على ذقونهم وطاويط المعاهد الأجنبية ممن يرطنون بكافة أنواع اللغات تأهباً لمقتبل المفاجآت.. علّموهم ارتداء الأحذية السميكة كيلا تفاجئهم الأحراج في المنعطفات ولا تضربوهم البتة ان لم يحفظوا دروس الخواء ففي الدنيا شعار كبير عريض طويل، عنوانه: (ادخلوها بغباء فهنا لا يفلح إلا السفهاء..)

علّموهم العناية بالجغرافيات البعيدة كيلا يقتلوا أنفسهم غماً وهماً ههنا.. حضروهم للرحيل الى هناك حيث الجبنة والبسمة والحياة.. لا تقنعوهم بشيء مما تعلمتموه لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم المتشقق كالهواء.. لا تشغلوهم بالمشبّه والمشبّه به والمستعار والمستعار له فأجدى بكم أن تستعيروا لهم ما يؤجج فيهم شهوة البعيد نحو وسكنسون أو اوسلو أو ماستريخت او دبلن ..لا تلوّثوا مخيلتهم بالأساطير التي تحكي عن عباس بن فرناس وابن دريد وابن طباطبا وديك الجن و(قفا نبكِ من ذكرى رماد وكلكل.. ) فهي مجرد أضغاث أوهام تعلمتموها انتم في سياق ثقافي ركيك ظلماً وبهتاناً وليس من حقكم توريثهم تلك التعاويذ السخيفة التي لا طائل من ترديدها على مسامع الصغار.. علّموهم معاداة الجرائد والأخبار والمعارض فهي أصل الأضاليل وعدوى البؤس الزؤام ..

وفي الختام.. لكم في هذه الوصايا ما يغنيكم عن وصايا الرغام.. والسلام.

***

كلما هدّني الشوق أحنّ الى الابيض والاسود وغبار السبعينيات.. إلى رمضانات الحبق وحفيف تلك الليالي المتسربلة بالعبق.. فأهيم الى زمن تشقق بين العيون!

كلما شممت رائحة الفاصوليا ككلب بافلوف الوديع أهتدي الى بيتنا القديم من دون دليل..

كلما رشقتني صفحة المتوسط بلازوردها الفصيح تقافزت الى خاطري صور الرفاق الذين تناثروا ثم شاخوا على أرصفة الغياب..

كلما فتشت الدواليب تناهت الى وجنة الحزن صورتها والرحيل..

كلما استعدت البدايات طار بي طائر العمر نحو ربى العاطفة

كلما رأيت عاشقين رميتُهما بسيرتي في الضياع العظيم..

كلما دار بي خذروف القصيدة دورتين استفقت على غيبوبة نازفة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى