أولى

رأي في مبادرة بكركي

 بشارة مرهج*

 

عندما دعا غبطة البطريرك الراعي الى عقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة لإنقاذ لبنان ودولته من الهاوية السحيقة التي يستقرّ فيها الآن فإنّ غبطته كان بالتأكيد مستاءً أشدّ الاستياء من فشل الفئات الحاكمة في إدارة شؤون البلاد سواء في ما يتعلق بتشكيل الحكومة العتيدة، أو إجراء التحقيق المالي الجنائي، أو متابعة التحقيق العدلي في جريمة المرفأ وصولاً إلى الملف الصحي الخطير، الى الملف المالي الأخطر الذي أوصل، بهمة أصحاب الحلّ والعقد، معظم اللبنانيين إلى أتون الفقر والجوع والإحباط. فغبطة البطريرك، شأنه شأن كلّ لبناني غيور على بلده وأهله، على حق في غضبته على مَن في يدهم مسؤولية الإنقاذ ولا يتقدّمون خطوة في هذا السبيل، وإنما يمعنون في عرقلة كلّ حلّ وكأنهم يخافون تعافي الحال وطرح السؤال وانكشاف ما خفي من أسرار.

وقد اجتهد غبطته واستشار من حوله فوقع الاختيار، بعد لأيٍ وجهد، على الدعوة الى هذا المؤتمر الدولي المنوّه عنه أعلاه.

وللمجتهد هنا أجر سواء أخطأ أم أصاب. فالمهم أولاً وأخيراً إقالة لبنان من عثرته التي تتحوّل سريعاً إلى كارثة مما يستوجب اعتماد الصراحة والمصارحة بين اللبنانيين، خاصة في زمن كثر فيه التجنّي والكلام الحاد، وشاعت فيه ظاهرة التنصل من المسؤولية لجماعة المناصب والمكاسب فضلاً عن جماعة التوريات والهندسات.

واذا كانت مصلحة لبنان هي المقياس لكلّ عمل أو مبادرة أو مؤتمر فينبغي تقويم دعوة غبطة البطريرك على هذا الأساس بعيداً عن الأحكام المسبقة والأغراض الذاتيّة أو الفئوية التي يحفل بها الواقع السياسي في لبنان.

وهنا لا بدّ من الاعتراف بأنه لكلّ طائفة في لبنان هواجسها، وأنه من المشروع، بالـتأكيد، الجهر بهذه الهواجس التي يجب أن يستمع اليها الآخرون ويعملوا على مخاطبتها بروح التفهّم والموضوعيّة حتى إذا وصلنا إلى حلّ ابتهجنا به، أو تعثر الحلّ فيبقى الودّ والأمل في معالجة لاحقة. وهنا نسأل هل أدّت الدعوة للمؤتمر الدولي الى تبديد الهواجس بين الأفرقاء والوصول الى حلّ جامع أم أنها أدّت إلى إثارة هواجس جديدة نحن بغنى عنها في هذه اللحظة التي تتطلب عمليات جراحية تبتكرها الجماعة الوطنية لتأمين سلامة القضاء واسترداد الأموال المنهوبة ومحاسبة الجناة سواء في المرفأ أو المصرف أو الإدارة أو المجلس؟!

ثم كيف لنا كلبنانيين أن نواجه المؤتمر الدولي ونحن لم ننجح بعد في نبذ خلافاتنا أو عقلتنها. فأيّ مؤتمرعربياً كان أم دولياًلن يساعد لبنان بوجه الانهيار والوباء والتفكك ما لم يساعد اللبنانيون أنفسهم أولاً. وهل غاب عن بالنا مؤتمر «سيدر» – مهما كان رأينا فيهالذي يتلاشى أمام أعيننا الآن بعد أن اشترط وجود الحدّ الأدنى من وحدة اللبنانيين عبر  حكومة مهمة مكوّنة من اختصاصيين يتحلّون بالخبرة والنزاهة  والاستقلالية عن الفئات التي فشلت في كلّ شيء إلا نهب أموال الناس وقيادة الدولة والبلاد نحو الإفلاس والانهيار.

 الى ذلك فقد جرّب لبنان من قبل الاعتماد على المجتمع الدولي فما حصد سوى التخلي والخذلان. وكلنا نتذكر قصتنا البائسة مع القوات متعدّدة الجنسية صيف عام 1982 عندما تركتنا وإخوتنا الفلسطينيين عرضة  للتنكيل والمجازر على يد القوات الصهيونيّة الغازيّة.

يبقى من نافل القول إنّ التعامل مع أيّ مؤتمر دولي على قاعدة الانقسام لن يأتينا بالحلول المرجوة. هذا إنْ لم يزد من منسوب العصبيات الفئوية وما يرافقها من شرذمة واحتراب وإنْ على صفحات الأثير.

 فالعبرة في المقترحات السياسيّة قابليتها للتحقق وقدرتها على جمع الناس، ولذلك أحسب أنّ الراحل الكبير البابا جون بول الثاني كان على حق عندما نصحنا بلقاء لبنانيّ مستديم يتحدث بالعربية ويسعى فيه واحدنا نحو الآخر بروح المحبة والأخوة والوحدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نائب ووزير سابق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى