أولى

الأسرى والقدس وذرائع تأجيل الانتخابات

 سعادة مصطفى أرشيد*

يعاني القارئ المتابع للشأن الفلسطينيّ من السأم، ويشعر ولا بدّ بقدر من الإشباع، لكثرة ما دبّج من مقالات في الصحف والمواقع الإخبارية، وما سمع وشاهد في الفضائيات من سجالات ونقاشات، حول الانتخابات التشريعية الثالثة، والتي يرى بعض من أدلى بدلوه على أنها ضرورية، لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، ولإنهاء الانقسام، والخروج من حالة التكلّس وسوء الأداء، ثم أنها حسب أصحاب هذا الرأي ضرورية، لتجديد الشرعيّة الفلسطينيّة، الأمر الضروريّ في حال عادت المفاوضات لدورتها في عهد إدارة بايدن الديمقراطية؛ فيما يحذر بعض آخر من خطورتها على المشروع الوطني ويرون فيها وصفة لتعميق الانقسام، وإعادة إنتاج القديم، وأنها ستقود إلى ثنائيّة تقاسم الوطن، وثنائيّة المشاركة بمغانم السلطة، ثم أن تجربة انتخابات 2006، قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ الانتخابات السياسية التي تجري في واقع من انعدام وفقدان السيادة، وتضاؤل التأثير والوزن السياسي، تبقى مشروعيتها الاقتراعية منقوصة، إلا في حال حصل انسجام ما بين نتائجها وواقعها الإقليمي والدولي، وحصلت على اعتراف داعميها ومموّليها.

قيل كثير وسيُقال أكثر في الأيام المقبلة، إن كانت الانتخابات ستجري في موعدها المقرّر، أم أنها ستؤجل (تأجيلاً بحكم الإلغاء)، وذلك بسبب القلق وانعدام اليقين من نتائجها، عند من بيده قرار التأجيل، وأخذ المواطن يسمع دندنات (تلطيشات) سياسية، ومن قادة فصائل ثانوية، تعلن رفضها إجراء الانتخابات من دون القدس، وتصريحات أخرى من سياسيين في السلطة، تذهب في الاتجاه ذاته، كان آخرها تصريحات نبيل شعث، مستشار الرئيس أبو مازن، الذي أكد أن لا انتخابات من دون القدس، في حين أنّ مسوّغات تتمّ صياغتها وتسويقها لصالح التأجيل، منها ما كتبتُ عنه في مقالي السابق، حول حق المقدسيين في الاقتراع بمدينتهم، ثم حول رسالة الأسرى الأخيرة للرئيس أبو مازن، والتي يطالبونه فيها بالتأجيل، وبما سيعود المقال لتبيانه لاحقاً.

يفصلنا عن موعد انطلاق حملات الدعاية الانتخابية أسبوع سريع، ففي فجر الأول من أيار تنطلق الماكينات الانتخابية لست وثلاثين قائمة مرشحة، وتضيق الفرصة حينها على إمكانية التأجيل، الذي لن يعود حينها أمراً سهلاً في حال انطلقت الدعاية الانتخابية، ولا أستبعد هنا أن يكون (الإسرائيلي) بصدد إعداد مقلب سياسي انتخابي في اللحظة الأخيرة، يضع السلطة في موقع صعب، حال أن وافق على إجراء الانتخابات في القدس وفق الآلية القديمة التي جرت عليها في انتخابات 1996 وانتخابات 2006، وذلك بالسماح للمقدسيين بالاقتراع في مكاتب البريد (الإسرائيلية)، لا تستطيع السلطة الاعتراض على ذلك، فقد مورست هذه الطريقة من قبل برضا وموافقة السلطة الفلسطينية الحالية، وتردّد مؤخراً اقتراح أوروبي بأن يتمّ اقتراع المقدسيين في قنصليات أوروبية موجودة في القدس الشرقية، ولهذا الأمر جانبه السلبي فلسطينياً والإيجابي (إسرائيلياً)، فهو يحمل في ثناياه، إقراراً فلسطينياً بأنّ المقدسيين ليسوا إلا جالية فلسطينية تعيش خارج فلسطين، وفي دولة اسمها (إسرائيل)، وفي هذا السياق يجب أن نتذكّر، لا بل وأن نذكر المفاوض الفلسطيني في أوسلو كما قيادة السلطة، أنّ تلك الاتفاقية لم يرد فيها أيّ ذكر للقدس باستثناء مرة واحدة فقط لا غير، وذلك في سياق تعداد المسائل المؤجّلة البحث وهي: اللاجئون، الحدود، المستوطنات، المياه، والقدس.

 من الناحية النظريّة، يمارس نتنياهو سلطاته بصفته رئيس حكومة تصريف أعمال، في غالب الأمر، قد لا يعطي جواباً حول الشأن الانتخابي عموماً، وحول الانتخابات في القدس خصوصاً، قبل الرابع من أيار، بالرفض أو الموافقة، حيث يكون بن يامين نتناهو قد نجح في تشكيل حكومته – وذلك أمر قليل الاحتمال، أو أن يطلب من رئيس دولته مهلة خمسة عشر يوماً، أو أن يكلف بتشكيل الحكومة شخص آخر، وذلك ما يزيد من قلق السلطة التي كانت تنتظر موقفاً صريحاً من الحكومة (الإسرائيلية)، قبل موعد الرابع من أيار، بحيث تجد فيه مبرّراً لتأجيل الانتخابات.

ذكرتُ في مقالي السابق أنّ هذه القدس التي تطلق عليها الأدبيات النظرية أسماء جميلة لها أبعادها الدينية والوطنية وحتى العاطفية، منها بوابة السماء، وزهرة المدائن، والعاصمة الأبدية، وأرض المحشر والمنشر، مسرى الرسول ومعراجه، وبلد المسيح… وغير ذلك، ولكن أصحاب هذه الأدبيات والبيان الجميل، لم يقرنوا ذلك بالعمل والدفاع عنها بقدر إهمالهم لها، عقاراتها تتسرّب إلى جهات معادية، أحياؤها تتهوّد، يتفكك ويضعف ارتباطها وارتباط أهلها بالمجموع الفلسطيني، في حين يتعزز مع بلدية القدس اليهودية، فالمقدسيّ الحزين لا يرى ولا يلمس فعلاً حقيقياً أو جاداً للدفاع عن مدينته، ولرعايته ولدرء المخاطر التي تهدّده، قول من دون فعل، عند من يملك أن يمارس الفعل، أو صوت صارخ في برية عند الفلسطيني الشريك في الحزن، مع العلم أنّ القدس وبسبب الفراغ الذي حصل بدواعي الإهمال إذا افترضنا حسن النية، قد خلق فراغاً تسعى لأن تملأه دول وجهات وتبذل من أجل ذلك المال والجهد، بحيث أصبحت القدس ميدان سباق لعدد من الدول التي تحاول أن تجد لها موطأ قدم وجمهوراً في المدينة. تلفزيون فلسطين الرسمي، ينقل فعاليات صلاة الجمعة في أحيان قليلة من المسجد الأقصى، وأمسيات التراويح الرمضانية في كلّ يوم من مدينة فلسطينية أو قرية، لا من المسجد الأقصى، في حين أنّ فضائيات عربية عديدة تلتزم بنقل الفعاليات الرمضانية من تلك الرحاب الطاهرة، ومع ذلك يضع من يريد عقدة القدس التي أهملها في منشار الانتخابات كذريعة محتملة.

أما الذريعة الثانية لتأجيل الانتخابات، فهي رسالة الأسرى للرئيس أبو مازن، يطالبون فيها بتأجيل الانتخابات، والتي يتمّ العمل على المبالغة في أهميتها، وأهمية الأسرى الذين هم بحقّ، يستحقون الرعاية والاحترام وايلاء رأيهم الاهتمام، إلا أنّ ذاكرة المواطن الطليق والأسير على حدّ سواء، لا زالت تذكر، كيف تمّ قطع مخصصاتهم من الموازنة العامة، وإغلاق حساباتهم البنكية في البنوك الفلسطينية والعربية العاملة بالضفة الغربية، وذلك استجابة للإملاءات المعادية، التي تعتبرهم إرهابيين ومجرمين، لا مناضلين في سبيل قضايا عادلة، دخلوا السجون بسبب برامجهم السياسية، وهي برامج القيادة الفلسطينية حين تمّ اعتقالهم، وهم الآن يتقاضون – تتقاضى أسرهم مخصصات من وزارة الشؤون الاجتماعية، عبر مكاتب البريد لا عبر البنوك، باعتبارهم من المساكين والفقراء المعوزين، الأمر الذي ينتهك كرامتهم، ويسفه نضالاتهم وتضحياتهم، ثم نراهم يعودون إلى دائرة الاهتمام، ويستخدمون (يوظفون) من جديد عبر رسالتهم إلى الرئيس التي يطالبون بها بتأجيل الانتخابات، إلى حين ترتيب شؤون حركة فتح الداخلية أو بعضها، واستعادة شيء من وحدتها، والعودة عن قرارات الفصل، ثم استصدار مراسيم رئاسية تحمل صفة القانون، لتعديل قانون الانتخابات الرئاسية بحيث يصبح على غرار نظام الانتخابات في الولايات المتحدة، فينتخب الرئيس ونائبه، الأمر الذي يهدف إلى أن يكون الرئيس أبو مازن مرشح الرئاسة، ومروان البرغوثي نائباً للرئيس، وها هم الأسرى يُعاد الاعتبار لهم مؤقتاً بصفتهم ضميراً وطنياً، لا يردّ له طلب، بعد أن سبق وتمّ التعامل معهم باعتبارهم عبئاً مالياً وسياسياً، يجب التخفف منه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*سياسي فلسطيني مقيم في جنين – فلسطين المحتلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق