أولى

الحكومة لما بعد الاتفاق النوويّ بسببنا لا بسببه

– بات أكيداً أن الحديث التقليديّ اللبنانيّ عن ربط تشكيل الحكومة بالأحداث الخارجية هو محض تهرّب من معالجة الأسباب الداخلية التي تعيق ولادتها، فها هو الرئيس الأميركي الذي قيل إننا ننتظر انتخابه قد انتُخب من ستة شهور، والذي قيل إننا ننتظر دخوله البيت الأبيض يقترب من نهاية الشهر الثالث لتسلّم سلطاته، وها هو الاتفاق النووي الذي قيل إننا نرتبط بمصيره يقترب من النهايات، لكن الأكيد أن الأسباب الداخلية من العمق لدرجة أن المعنيين سيعجزون عن تخطيها حتى يأتي عامل خارجيّ ويفرض عليهم إرادته.

– حاول الفرنسيون التلويح بالعقوبات كوسيلة لهذا الفرض وفشلوا لسببين، الأول أن عقوباتهم وحدهم قد تخرجهم من القدرة على التدخل اللازم لفرض تشكيل الحكومة، والثاني أن عقوبات غربية تتوقف على حسابات أخرى، أهمها أنها ستظهر ضمن استهداف لفريق الخصوم الذين يقفون على ضفة إقليمية أخرى في زمن السعي لتفاهمات وتسويات مع هذه الضفة أبرزها العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران.

– تاريخياً التسويات الإقليمية الدولية حول لبنان تحتاج الى ثنائي، يختصر أحد طرفيه المعسكر الغربي ويختصر الآخر المعسكر الشرقيّ، والاختصار ليس إرادة الطرف المعني في الغرب والشرق بل قبول الغرب والشرق به ممثلاً، وكما كان التفاهم السوري السعودي إطاراً ناظماً لإدارة الأزمات والحلول في لبنان بين عامي 1990 و2005، يبدو لبنان بانتظار تبلور ثنائية موازية يرجح أن تكون أميركية إيرانية هذه المرة. وهذا لن يتوفر قبل الانتهاء من قبل الطرفين من إنجاز العودة الى الاتفاق النووي.

– بعد العودة ستنتفي الحاجة الأميركية للضغط على حلفاء إيران في لبنان كجزء من الضغط على إيران، وهذه هي أحد أوجه التحالفات التي تقيمها واشنطن مع خصوم حزب الله في لبنان، لكن سيبقى لواشنطن اهتمام يتصل بالخطر الذي تمثله المقاومة على أمن كيان الاحتلال، وهو ما لم تنضج بعد رؤية أميركية جديدة له، وهي رؤية يجب أن تبنى على معادلات مختلفة تتجاهل الشعارات القديمة من نزع السلاح الى تحميل حزب الله مسؤولية الانهيار اللبناني والدعوة لعزله حكومياً، وتكتفي برعاية تفاوض ينهي ترسيم الحدود البحرية بحلول وسط، ويربط النزاع على الحدود الجنوبية وفق القرار 1701، وربما ينتهي بتفويض فرنسا للعب دور اقتصادي وسياسي في الداخل اللبناني، ويفتح الباب لتسوية تقودها إيران وفرنسا، لكن بين ايران وفرنسا أزمات وخلافات، يحتمل أن تعطل هذه الفرصة حتى تبلور فرص تموضع فرنسا على خط وساطة بين إيران والسعودية بعد صفعة العودة للاتفاق النووي، حيث لا تستطيع فرنسا السير بالتسوية مع إيران من دون السعودية، وبالتوازي لا تستطيع ايران السير بالتسوية مع فرنسا من دون سورية.

– هذا يعني أن الأسابيع التي تفصلنا عن العودة الى الاتفاق النووي سترخي بظلالها الإيجابية على لبنان لكنها لن تنتج حكومة، وأن شهوراً إضافية ستمر حتى تنجح مساعي إطلاق التفاوض الإيراني السعودي جدياً، وإطلاق المسار الفرنسي السوري جدياً أيضاً.

التعليق السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق