أولى

بمناسبة يوم القدس العالميّ… المقدسيّون يشهدون أنّ الأجيال تتوارث القضيّة

 د. خليل حمدان _

يتدفق الكلام شلالاً من العزّة في الحديث عن القدس بما تكتنز من سير ضاربة في التاريخ، فهي ملتقى القيم ومهد الحضارة، من نبعها الثر كانت رسالات الأنبياء والصدّيقين، عانت وعاندت الجبابرة والمحتلين على رجاء انكسار القيد…

وإن عدتم عدنا…

وفي آخر يوم جمعة من شهر رمضان المبارك يحتفل الأحرار والشرفاء بيوم القدس العالمي، وهي دعوة أطلقها قائد الثورة الإسلامية الإيرانية وباعث نهضتها الإمام روح الله الموسوي الخميني (قدّس سره)، وذلك منذ العام الأول لانتصار هذه الثورة سنة 1979، للتأكيد على أهمية القدس بشكل خاص والقضية الفلسطينية بشكل عام، بعد محاولات مستمرة من قبل الصهاينة ومن يسبح في ظلام مشروعهم العدواني الذي يستهدف الأرض والإنسان بإسدال الستارة عن هذه القضيّة على وقع تحريف الحقائق في ظلّ حملات دعائية وإعلامية تتوسل تمرير سياسة التهويد بضمان التآمر الدولي الذي يتجاهل جرائم “إسرائيل” المتمادية بحق البشر والحجر والمقدسات، وما كان ذلك ليتمّ لولا سياسة الصمت المريب الذي لم تكتفِ به العديد من الدول العربية التي أبرمت صك التنازل عن أشرف قضية بسياسة التطبيع على حساب فلسطين وشعبها تجاوزاً لكلّ التضحيات التي بذلت من شهادة الشهداء الى عذابات المعتقلين والجرحى وقلق الأطفال الذين أدرجوا على لائحة الاستهداف الصهيوني سحلاً واعتقالاً بممارسات يندى لها جبين الإنسانية على مرأى ومسمع من منظمات ودول تتوقف إجراءاتها وقرارتها حتى الكلامية منها عند حدود الكيان الصهيونيّ الغاصب، حيث تتعطل كل مفاعيل الرأي العام إنْ وجد.

إنّ كلّ هذه المحاولات والممارسات العدوانية للصهاينة وأعوانهم تستهدف بثّ الرعب في النفوس لاختراق القناعات والثوابت التي تعزز التمسك بقيم القدس وحقوق الشعب الفلسطيني، ولتعديل سلّم الأولويات تحت طائلة التدمير والاعتقال وصولاً لقتل من تدبّ فيه الحياة بكلّ المعاني وبانتهاك الحرمات داخل المسجد الأقصى وأمام ساحاته وبواباته، لكن الوقائع تؤكد ان الأجيال اللاحقة ضمانة لجبه جميع المؤامرات التي تستهدف ضياع التاريخ والجغرافيا، وأنّ الانتفاضة او الهبّة الرمضانية للشعب الفلسطيني في باحات المسجد الأقصى وأمام باب العمود وسواه تشي بأنّ كلّ خيارات التهويد للقدس لن يكتب لها النجاح… وأنّ ما حدث أخيراً من مواجهات بين المقدسيين وجنود الاحتلال الصهيوني كشف قدرة الجيل الصاعد على تصعيد التحدي الى مستويات كانت القوى المتصهينة قد تصوّرت أنها أصبحت من الماضي والتاريخ علّمنا بأنّ الأزمة تلد الهمة، فكيف مع أهل الصبر والبصيرة؟ لذا فإنّ مواجهات القدس هي إيذان بانتقال إرث القضية الفلسطينية للأجيال اللاحقة، وهو انتقال آمن لن ينتهي بمرور الزمن، ومقولة إنّ الكبار يموتون والصغار ينسون قد سقطت الى غير رجعة، والإحياء ليوم القدس من جيل الى جيل يشكل شبكة أمان بأنّ الأرض لن تضيع وكلّ جهود الهرولة نحو التطبيع كرماد تذروه الرياح. وتبقى الآمال الكبيرة معلّقة على الأجيال الحالية والقادمة استناداً الى موروث جهادي عريق وعلى أكثر من صعيد.

أجل، إنّ إحياء يوم القدس هو بمثابة التأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه وعاصمته القدس الشريف، وللتأكيد أيضاً على ما قاله الإمام المغيب القائد السيد موسى الصدر (أعاده الله) إنّ مأساة فلسطين لطخة سوداء في الضمير العالمي… فـ “إسرائيل” ثكنة عسكرية وليست مجتمعاً ديموقراطياً، او كما قيل، بل جيش صهيوني عنده دولة وليس العكس… فاحذروا “العصر الإسرائيلي”.

في يوم القدس العالمي دعوة لتذكير العالم بمأساة فلسطين التي بقيت القضية الوحيدة في العالم من دون حلّ، بالرغم مما شهده العالم من حلول لأزمات. ولكن يبقى الرهان على المقاومة بتشكيلاتها كافة، سواء كانت شعوباً او منظمات او أحزاباً او حركات او دولاً ترفض الخنوع والخضوع والاستسلام والتطبيع والاتفاقيات الثنائية وسواها، بالرغم من العقوبات الظالمة بحق هذه الدول على شكل حصار وعلى أكثر من صعيد كما يحصل للجمهورية الإسلامية الإيرانية وسورية ولبنان وفلسطين وأهلها.

أخيراً إننا في حركة أمل كما أكد ميثاقنا انّ فلسطين في قلب حركتنا وعقلها، أو كما قال الإمام الصدر عيشنا دون القدس موت وذلّ، وإذا تخلى المسيحي او المسلم عن القدس فهو يتخلى عن إنجيله وقرآنه، ليضيف الإمام الصدر انّ القدس هي قبلتنا وملتقى قيمنا وتجسيد وحدتنا ومعراج رسالتنا إنها قدسنا وقضيتنا… والقدس كانت في عقل وقلب شهداء أفواج المقاومة اللبنانية أمل لا سيما الشهيد القائد مصطفى شمران الذي تحدث عن أمنياته ليقول: “أسعد لحظات حياتي سقوط شاه إيران، وأكبر أمل عندي تحرير القدس، وأكبر ألم عندي تغييب الإمام السيد موسى الصدر”.

في يوم القدس تحية إكبار وإعزاز لشهداء المقاومة في كلّ مكان، تحية الى أسرى فلسطين من أطفال ونساء وشيوخ وشباب أولئك الأسرى الذين يتجاهل العالم حقوقهم.

وأقتبس من الأخ الرئيس نبيه بري في كلمته الأخيرة الكلمة النداء “وأخيراً من يتجاهل ما يحدث في الأقصى إما مساوم قبض الثمن، وإما اعتاد الصفح حتى بات لا تُعرَف ملامحه أهي عربية ام عبرية”.

تحية لكلّ من سار على درب القدس وتحية إكبار للإمام الخميني في ندائه الإحيائي الذي لا يغيب، وتحية للإمام المغيّب السيد موسى الصدر الذي أسكننا القدس قضية ورسالة، وتحية لكلّ دعوة إحياء في زمن التطبيع ودفن الرؤوس بالرمال.

*عضو هيئة الرئاسة في حركة أمل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق