حديث الجمعة

شاخت دون أن تدري

قالت: “أخاف أن أشيخ”. ومضت في شرودٍ يستحضر عيون كلّ الجدّات في القرى، لتهوي على كفوفهّن المتعبة وترتجي من قلوبهنّ التي تحت الثرى برهة من عاطفة وحدهنّ يعرفن سرّ خلطتها، وربّما بحواسهنّ التي اتّحدت بالتراب يعرفن ممّا تخاف تمامًا.. لذلك بقين ملجأها، وبقيت بشكل أو بآخر تحرص على انعكاساتهنّ في طريقة نطقها لتمتمات السرور والفجيعة على حدّ سواء، وفي غصّتها حين تَحدي لصغيرٍ أو تبتسم لجفاءٍ أو لخيبة..

حسنًا. لا ينبغي للشيخوخة أن تخيف امرأة تحادثُ تجاعيدها وتصادق صداعًا يكبرُ معها وتدلّل ندبةً تركها خدش حنون على وجهها. كذلك ليس منطقيًا أن تخشى وحدةَ العجائز امرأةٌ يعنيها كثيرًا أن تحفظ جودة روحها البريّة فتحذر الرفقة كي لا يستبيح أحدٌ، لسبب أو لآخر، خلوتها المتواصلة بقلبها وحساسيّتها المفرطة..

«أخافُ أن أشيخ”. قالتها بما يشبه هذيان المحتضرين إذ يبوحون بآخر أسرارهم دون أية نيّة بتفكيك هذا الخوف أو تبريره أو حتى فهمه.. هي نفسها لا تعرف لمَ عساها تخاف “الشيخوخة”. ربّما هي تدرك بحاسّة انتقلت إليها من تراب حوى حواس الجدّات، أنّ عليها أن تخشى تلك اللحظة التي ستنظر فيها إلى الآن الذي سيكون ماضيًا، من خلال ثقوب ذاكرتها، فترى أن المشهد ليس مختلفًا بتفاصيله.. وأنّها منذ هذا الآن، الذي سيمسي ذاكرة، شاخت بدون أن تدري..

ليلى عماشة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى