أولى

بين ثقافتين

 معن بشور*

في لبنان وعلى مستوى الأمة صراع بين ثقافتين، أولهما ثقافة الهزيمة التي لا تقود إلاّ إلى الاستسلام والانهيار، وثانيهما ثقافة المقاومة التي لا تؤدي إلاّ إلى الحرية والعزة والكرامة…

مثقفو الهزيمة، وبعضهم ليس بالضرورة مشبوهاً أو سيّئ النية، يعتقد أن فارق القوة بيننا وبين أعدائنا كبير إلى درجة تجعل من كل دعوة لمقاومته مغامرة «غير محسوبة» تؤدي الى عواقب وخيمة، بل يعتقد هؤلاء أن أفضل «إستراتيجية» ينبغي اعتمادها بوجه خصم «قوي لا يُقهر» هي اعتماد المثل الذي يقول «اليد اللي ما فيك تكسرها قبّلها وادعو عليها بالكسر…»

أما مثقفو المقاومة فلهم منطق آخر يستمدّ شرعيته من المبادئ الوطنية والقومية والقيم الإنسانية، بل من الشرائع السماوية، التي تحضّ على الانتصار للحق في مواجهة الباطل، على الانتصار للعدالة بوجه الظلم، على الانتصار للاستقلال بوجه الاستعمار، على الانتصار للحرية بوجه الاستبداد، على الانتصار للكرامة الوطنية والقومية بوجه التبعية…

مثقفو الهزيمة ينطلقون من «اللحظة الراهنة» وما فيها من صعوبات وتحديات واختلال في موازين القوى فيرضخون لشروطها، ويرهنون مستقبل بلادهم وأمتهم «بلحظة» لا بد أن تمر ولو بعد حين.

أما مثقفو المقاومة، فيرون في تاريخ الشعوب كلها حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها، وهو أنّ إرادة الشعوب هي الأقوى، وان موازين الإرادات أبقى من موازين القوى، لأنّ هذه الموازين تتراكم مع الوقت ومع النضال ومع التضحيات، فيما موازين القوى حين تتحدى الإرادات سرعان ما تتآكل وتنهار مهما بدت قوية للحظات…

مثقفو الهزيمة، وليسوا كلهم بالضرورة عملاء للأجنبي أو خونة لبلادهم، يستخدمون الخسائر التي يمكن أن تقود إليها المقاومة سواء بالأرواح أو بالماديات، فيما قانون المقاومة يؤكد دائماً أنّ كلفة المقاومة مهما كانت كبيرة تبقى أقلّ من كلفة الاستسلام.

مثقفو الهزيمة ينطلقون من ضعف الثقة بأنفسهم وبشعبهم وبأمتهم وبحضارتهم وتاريخهم، فيما مثقفو المقاومة تملأهم الثقة بالنفس وبقدرات الأمة وبمخزونها الروحي والحضاري.

في التاريخ البشري نماذج لمثقفي الهزيمة ورجالها الذين كان مصيرهم مزابل التاريخ، ونماذج لمثقفي المقاومة ورجالها الذين باتوا على مر العقود منارات تضيء الدرب لشعوبهم وتخلد الإنسانية ذكراهم…

_ المنسّق العام لتجمّع اللجان والروابط الشعبية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى