أولى

«قانون قيصر» والدولة الأعظم وقانون المقاومة والدولة الصغيرة

 سعادة مصطفى أرشيد*

قانون المقاومة في نهايات عام 2019، وافق الكونغرس الأميركي على قانون يحمل اسم قيصر (وهو اسم وهمي لشخص غير معروف زوّد الإدارة الأميركية بصور عن «وحشية» الدولة السورية، وسجونها وغرف تعذيبها وجثث ضحاياها)، وما هي إلا أيام، إلا ووقعه الرئيس السابق دونالد ترامب، ليدخل حيّز التنفيذ. يهدف هذا القانون إلى تطوير استراتيجيات العمل لإسقاط الدولة السورية، وإعطاء بعد أخلاقي، إنساني على الأداء المعادي لها من معارضيها ومموّليهم، وذلك بفرض عقوبات تطال الشركات والأفراد الذين يشتبه بأنهم يقدّمون دعماً للدولة، أو يتعاطون معها، واستهدف القانون مجالات عدة اشتملت بالطبع المصارف والصناعة ومجالات الطاقة، المدنية والعسكرية، كما طالت النشاط الإيراني الذي أصبح يتعرّض لعقوبات مزدوجة، وكذلك الروسي العامل على الأرض السورية .

صمود الدولة السورية من جانب، ووقوف غالب شعبها معها، وهو خير من يعرف مقادير النفاق والكذب في الادّعاء الأميركي ـ الغربي، أسهم في تفريغ مضامين هذا القانون، ومن جانب آخر أدى التراجع الأميركي العام، والرغبة في الخروج من المنطقة والتفرّغ للصين وبحرها وطريق حريرها، وترك الحلفاء أمام يأس مصيرهم البائس، إلى تدهور في حالة هؤلاء المعنوية، ولهم ولنا في ما جرى في أفغانستان في بضع الأيام الأخيرة درس قاسٍ ومثال حي.

هكذا، لم تسقط الدولة السورية، وإنما زادها هذا القانون قوة وثباتاً، وقدرة على التكيّف مع الظروف الصعبة، كما حدث مع الحليف الإيراني منذ أربعة عقود ونيف، فأصبح الحصار نظام حياة، وأصبح هو القاعدة لا الاستثناء، ولكن نتائجه البائسة ذهبت إلى مكان آخر، إلى لبنان، الأمر الذي أسهم في كشف عورات النظام وما يعانيه من قديم زمانه من فساد الزعامة الطائفية السياسية، وتجليات فسادها في الاقتصاد والسياسة والبيئة والثقافة وسائر جوانب الحياة، أدى ذلك إلى انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، وانهيارات مالية اقتصادية، اختفت الأدوية والمستلزمات الطبية من السوق أو كادت، ولحقت بها المحروقات، والسلع المتعلقة بأساسيات الحياة، هذه هي نتائج السياسات المنافقة للغرب، الأمر الذي يجعل من حديث رجل الدين ـ الأب الموصلي مع الرئيس الفرنسي أثناء زيارة الأخير للعراق والتي انتشرت على وسائل التواصل الإلكتروني، حاضرة في الذاكرة، إذ قال الأب المحترم لماكرون: أين كنتم، ألم تر أقماركم الاصطناعية وأجهزة أمنكم «داعش» وهو يزحف علينا؟ عندما قتلونا وحرقوا كنائسنا، وهجرونا إلى سهل نينوى؟ أنتم لم تدافعوا عنا وأبقيتمونا المرة تلو المرة تحت رحمة «داعش» والجماعات الإرهابية، يكشف الأب الموصلي، أو أنه يؤكد ما هو ملاحظ من رغبة هذا الغرب المنافق، لا في الدفاع عن مسيحيّي الشرق، وإنما تهجيرهم، وحرمان الشرق منهم وحرمانهم منه.

مرة أخرى، إنه الصمود والثبات المدعوم بالوعي، هذا ما جعل سورية رقماً صعباً لا يمكن لأحد أن يتجاوزه، وأن يقفز عنه، أو يجعل من الممكن لأي قوة أن تنتزع الدولة السورية من مكانها ومكانتها، فيما أدرك المحور العربي الآخر، أنه لا يستطيع العمل من دونها، وفي لحظة الخذلان الأميركي ـ الغربي، أدرك أنّ سورية، هي المكان الذي تتقاطع به الإرادات والمصالح، أنها العين للأمن القومي، لمكانتها ومكانها وعمقها، أنها حجر الزاوية التي حاول البناؤون نبذه، فلم يستطيعوا البناء من دون الارتكاز عليه، كما في ماضي الزمان، في حاضره ومستقبله أيضاً، وها هي المعركة في نهاياتها في حوران وعاصمتها درعا التي دخلها الجيش السوري يوم أمس الأربعاء بعد صبر طويل لدخولها سلماً، وها هم المسلحون يستسلمون بمعظمهم ويلقون السلاح، فيما من بقي رافضاً يتكدّس في حافلات خضراء، بانتظار هزيمة أخرى وقد ترك أولئك البائسون لمصيرهم، شأنهم شأن نظرائهم الأفغان.

مرة ثالثة، الصمود والثبات أعاد الحياة إلى خط الغاز العربي الذي كان قد اتفق عليه بين سورية ولبنان والأردن ومصر، منذ مطلع القرن، وذلك بهدف تسويق الغاز المصري للدول الأربع وإيصاله عبر سورية للسوق الدولية، بدءاً من العريش إلى العقبة، وصولاً إلى حمص حيث يتفرّع إلى الخط الدولي شمالاً وآخر باتجاه بانياس وثالث باتجاه طرابلس في الشمال اللبناني، لكن رياح الربيع المسموم شملت في عصفها الخط، فكان هناك من التكفيريين من يفجر خطوطه في الأرض المصرية، فيما شركاؤهم يفعلون ذات الشيء على الأرض السورية، الأمر الذي تضافر مع الرغبة الأميركية ـ الغربية والهوان العربي في محاولة إسقاط الدولة السورية، فبقي الخط لا يعمل إلى حين قرّر لبنان برئاسته ومقاومته الحصول على النفط من إيران، التي رأى بعض اللبنانيين أن نفطها يحمل رائحة التشيّع، وربما يصيب في العدوى الشيعية من يشتمّ رائحته، ورأوا في ذلك ما يفوق في أذاه حرمان اللبناني من الوقود .

أثبت هذا القرار بما لا يبقي مجالاً للشك، أنّ الشجاعة، والكرامة، والاستقلال في القرار، يأتي بنتائج تفوق في مفاعيلها، الخنوع والخضوع، فكان أن سارعت سفيرة الولايات المتحدة بالذهاب للرئيس اللبناني موافقة على إعادة تشغيل خط الغاز العربي، وإيصال الغاز والكهرباء إلى لبنان عبر سورية، ولم يكن أمام حلفاء الأميركان (زلم الأميركان)، إلا الموافقة، والعودة للحديث عن التضامن والإخوة وما إلى ذلك من كلام مرائي.

يوم أمس الأربعاء، دعت وزيرة الطاقة الأردنية، نظراءها الوزراء في سورية ولبنان ومصر، إلى مؤتمر في العاصمة الأردنية عمّان، وذلك لبحث التفاصيل الفنية في سبيل إيصال الغاز والكهرباء إلى لبنان عبر الأرض السورية، وهو الأمر الذي رحبت به دمشق، كما ذكر الوزير السابق، نصري خوري أمين عام المجلس الأعلى السوري اللبناني، وهو ما يعني ويؤكد أنّ دمشق ترى في لبنان أرضاً وشعباً وأمناً واقتصاداً وطاقة جزء منها.

سورية ستكون الأقوى حضوراً في مؤتمر عمّان وفي اللجان الفنية، السيد الأميركي وافق على إيصال الغاز والكهرباء، الذي لا طريق لهما إلا عبر الطريق السوري، سورية هي من يوافق، وستوافق، هي من يحرس الخطوط، ويزوّدها بما تحتاجه من جهد بشري أو فني، وهي التي تملك حق المرور واستيفاء الرسوم مقابل ذلك نقداً أو عيناً، وفي الغالب عيناً، الأمر الذي سيؤدي إلى انفراج في الوضع السوري الداخلي، فالماء لا يمرّ عن عطشان، كما تقول الأمثال الشعبية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى