أخيرة

من يسرق الطفولة والبراءة من الأطفال لكسب الشهرة والمال؟

} سارة السهيل

عرفت المؤسسة الأسرية بأنها المحضن الذي ينشأ فيه الفرد مظللا بالرعاية والحماية من أية مخاطر خارجية محتملة، وأنّ الأسرة هي السياج الذي يحمي أبناءها من الأفكار الهدامة أو «الاختلاط» غير المحسوب وغير المراقب اجتماعياً وسلوكياً. لكن الأسرة في عالم اليوم، منفتحة بحكم تطوّر العصر والانفتاح على ثقافات الشرق والغرب، والاندماج مع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، فقد حطمت السياج الحامي لأبنائها، بل وضعتهم في مهبّ رياح التغيّرات والأفكار غير السليمة بل والهدامة، المهمّ أن يكون الطفل عصرياً ومواكباً لمعطيات عصره، دون حساب المخاطر المحتملة بل والمؤكدة التي قد يتعرّض لها وتؤثر سلباً على سلامته نفسياً وعاطفياً في المستقبل.

فمع ظهور «السوشال ميديا» ونجاح بعض الشخصيات في تحقيق شهرة واسعة النطاق على صفحات التواصل الاجتماعي، فإنّ هذا البعض لجأ الي توظيف براءة الأطفال وعفويتهم في تحقيق مزيد من الشهرة له، وبالطبع تحقيق المزيد من المال، على حساب روح الطفولة وحقوقها وأمانها الاجتماعي والنفسي.

الأدهى من ذلك ان يكون الوالدان هما أنفسهما من يستخدمان طفلهما أو طفلتهما في برامج أو مشاهد كوميدية أو غنائية أو تمثيلية أياً كان التوظيف الفني فيها، وقد لاقت بعض هذه التجارب نجاحات كبيرة خاصة إذا قدّمت بشكل فكاهي وكوميدي.

لكن الأبوين غفلا عن حقيقة تعرّض طفلهما للعديد من المخاطر مثلما حدث مع الطفل العراقي الذي كان أهله يصوّرانه وهو يأكل كثيراً فتعرّض لـ «الحسد» ومات، وهناك الكثير من الأسر التي تعرض حياتها اليومية مع أطفالها بما لا يناسب أعمارهم ثم ينشأون اجتماعياً دون تشرّب قيمة الخصوصية واحترام قيمة حياتهم الخاصة والمحافظة على أسرارهم أو أسرار محيطهم الاجتماعي.

ولا يخفى على متابعي مثل هذه المشاهد أنها في معظمها تعمل على ترويج التفاهة والأمور الشخصية مما يجعل المتلقي منغمساً بحياة الأفراد وخصوصياتهم، وهذه بطبيعة الحال سمات التافه الغبي، لأنّ الحكيم والمثقف والواعي يهتمّ بالحدث وليس بالشخص، وليس أيّ حدث، إنما المهمّ منها والمؤثر.

فلماذا يقتحمون بيوتنا بممارسات غير مفيدة وتافهة؟ الطامة الكبرى أننا قد نجد بعض سيدات «الصالونات» الاجتماعية يسألن أسئلة سخيفة مثل «هل عرفتي شو صار مع رندى وشفتي ريم كانت لابسة ايه مبارح»؟ أسألهم بتعجب «مين رندى أختك جارتك صديقتك»؟ تجيبني، «لا إنها إحدى شهيرات السوشال ميديا». «مشهورة» بماذا؟ «تصفن» طويلاً وتقول «رندى تعمل دعايات مكياج وريم تعرض لنا حياة أسرتها اليومية»!

وعندما بحثت في الأمر، عرفت أنها كيم كارديشيان التي لم أتابعها يوماً، إلا عندما قرّرت أكتب مقالتي هذه، من أجل الإطلاع على أساس المشكلة، واكتشفت انها حياة بعيدة عن المنطق.

 دخلت بيوت «الكبار» والمراهقين من سنوات عديدة، لأكتشف انّ الجميع يحذون حذوها ليحظوا بنفس شهرتها.

في حين نجد الكثير ممن يقدّمون مضموناً مفيداً، ثقافياً أو سياحياً، أو أدبياً أو سياسياً، وحتى فكاهياً مقبولاً، ومع ذلك لم يتحوّلوا إلى مشاهير، فهل هذا زمن السفهاء؟

فما بالنا بالأطفال والخطورة التي يمكن أن يتعرّضوا لها، عندما يشاهدون او يشاركون في مثل هذه الأعمال؟ فوفقاً للدراسات التي أجراها المتخصصون في مجال الصحة النفسية والتربية، فإنّ الأطفال الذين يتواصلون مع «السوشال ميديا» يتعرّضون لمخاطر لا تناسب مرحلتهم العمرية، خاصة عندما يقارن الطفل نفسه بغيره عن طريق استكشاف آخرين عبر «فيسبوك» و»انستغرام» و»تيك توك»، فإنهم قد يواجهون مشكلات التنمّر والتحرش الإلكتروني.

فهناك أكثر من 1.2 مليون حساب لمشاهير أطفال أقلّ من 13 عام على منصات التواصل الاجتماعي، وبعضهم تستغله العلامات التجارية للدعايات والإعلانات والربح.

السؤال هنا هل تندرج هذه الممارسات تحت بند عمالة الأطفال ولو بطريقة غير مباشرة؟

لا أنكر أنني أعجبت من بين هؤلاء المشاهير بطفلة صغيرة تدعى بريدجت (اميركية)، لأنها الوحيدة التي تمثل سنها وتظهر حياة بريئة بين أحضان الطبيعة والحيوانات، ورغم إعجابي بطفولتها البريئة غلب خوفي عليها وعلى غيرها بالحكم على إبعاد الأطفال جميعاً عن المخاطر،

حيث أظهرت عدة دراسات أنّ واحداً من كلّ عشرين طفل يتعرّض لمشكلات نفسية كالقلق والتوتر والاكتئاب نتيجة استخدام «السوشال ميديا» بشكل مستمرّ مما يتطلب الاشراف العائلي على ما تتمّ مشاهدته.

فإذا كانت الأسرة نفسها هي التي تعرّض طفلها للخطر، كما شاهدنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي للعديد من «الفيديوات» التي يظهر فيها أطفال يتعرّضون لمواقف اجتماعية مثيرة تحت إشراف الأبوين بهدف رصد ردود أفعالهم الطفولية، أو تصويرهم أمام موقف عاطفي لحصد المتابعين وتحقيق الشهرة ومن ثم العائد المادي الكبير.

لا شك انّ استخدام الطفل في تصوير مقاطع لنشرها وكسب المتابعات يضرّ بصحة الطفل، ويعرّضه للسهر والتعامل مع الكاميرا ومع المصوّرين ومع عالم غريب على براءته، خاصة عندما يتمّ إجبار الطفل على تجسيد تعابير وكلمات لا يفهم معناها والتلفظ بكلمات لا تتناسب عقل الطفل وإدراكه أو بألفاظ نابية، خاصة عندما يجسّد شخصية رجل كبير أو امرأة مسنة.

كلّ هذه الأعمال تتنافى مع حقوق الطفل الخاصة بالحفاظ على صحته الجسدية والعقلية والنفسية والأخلاقية، وتحصيله الدراسي.

كما انّ الطفل ذاته لا يزال صغيراً لا يستطيع ان يقرّر ماذا يريد، فربما عندما ينضج فكره يأخذ قراره بالرفض أو القبول، فلماذا يتمّ إقحام الأطفال بأعمال لا تناسبهم او رغماً عنهم وربما عندما يصبح بالغاً قد يرفض ما كان أهله يستدرجونه اليه.

هذه الممارسات تسرق الطفولة والبراءة من حياة الأطفال مبكراً فالفتيات الصغيرات يقلدن السيدات بملابسهن ومكياجهن وطريقة كلامهن، انه أمر مخيف خاصة ان هناك متربصاً خلف الشاشة ربما هو مريض نفسي من الممكن ان يستدرج هؤلاء الأطفال.

 علينا دعوة المنظمات الحقوقية والقانونية لوضع لوائح تنظيمية تقنن ظهور الأطفال بمواقع التواصل الاجتماعي، وفرض عقوبات جنائية وغرامات مالية على الأسر التي تستغلّ صغارها في وسائل التواصل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى