اتجاهات

نظام مارديني

لم يكن ينقص الهلال السوري الخصيب إلا رقصة الموت التي يمارسها «داعش» لكي تكتمل مأساة مسرح التراجيديا الذي يهدف إلى تصوير مأساة قد تكون مبنية على قصة ما، وبحسب أرسطو فإن «هيكل العمل التراجيدي لا ينبغي أن يكون بسيطاً بل معقداً، وأن يمثل الحوادث التي تثير الخوف والشفقة».

وها هو مسرح التراجيديا راهناً، يأخذ مسار أزمات وحرائق متواصلة ومتتالية عبر الرقعة الجغرافية ذاتها الممتدة من جبال زاغروس وحتى البحر المتوسط، أو أجزاء منها مترابطة مع الأهداف وبصور جديدة، لا سيما بعد صعود ما اصطلح على تسميته بـ «الإسلام السياسي»، الذي لم يكن وليد الأمس، بل بدأ منذ ربع قرن، ولكن هذه المرة برعاية الوهابية التي قامت على تغيير بنية المجتمع وبهدوء بحيث تسللت إلى المرافق الأساسية من مطاعم ومقاه بما يناسب فكرهم وعقليتهم، ولكن السؤال بقي عند النخبة الثقافية هو كيف تسمح دمشق أو بغداد أو بيروت مثلاً، بتغيير طبيعة عشرات المطاعم الكبرى بخلفيتها الثقافية والاجتماعية بكل بساطة؟

وتفاعلت نقاط الضعف بعد ذلك في دول الهلال السوري الخصيب مع تلك التغيرات ببطء حتى ظهرت للعلن حالات متطرفة، أتت من عشرات آلاف الجوامع والمساجد والحسينيات، وبمقارنة بسيطة بين تلك الجوامع والمساجد والحسينيات والجامعات، نجد أن النسبة غير متوافقة بكل بساطة، وهي تشير إلى أن الوهابيين عرفوا نقاط ضعفنا وتسللوا إلى مجتمعنا عبر الفعاليات الاقتصادية لتغيير طبيعته ببطء ودراية، فهل كانت هذه العواصم نائمة؟

هلال الحرائق المتمددة هذه، مرسوم له أن ينتشر ويمتد إلى مساحات وساحات ومجالات حيوية عربية وإقليمية، أوسع من الحدود القائمة، وقد تخلط الأوراق وتحرق الأيدي التي شاركت فيها. فالتحولات ليست دائماً تأتي كما هي مراد لها أو منها. ولهذا تُشعّل المنطقة الآن بالحرائق الدموية وبقوى جربت في أفغانستان، فهل تساءل أحد، كيف تكوّن «داعش» في غرب العراق وشماله ومن أين وصل إلى شرق سورية وإلى سلسلة جبال لبنان الشرقية عرسال ؟ وكيف أعاد الأميركي تنفيذ مخطط احتلال العراق الذي وضعه البنتاغون لمحاصرة خطوط التواصل بين طهران وبغداد ودمشق؟

السيناريوات الموضوعة للمنطقة التي تتحرك فيها الحرائق كانت قد بدأت بالاستيطان اليهودي في فلسطين، قبل أكثر من سبعين عاماً، ولبقاء الاستيطان لا بد من خطط التقسيم والتجزئة لخرائط سايكس بيكو، وعلى أسس أخرى هذه المرة، مذهبية واثنية، أو إعادة رسم الخرائط بصور أخرى قد لا تشمل التقسيم المعلنة خططه، ولكن بأشكال متحركة بحسب آبار النفط والغاز كما بشرنا بذلك مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبغنيو بريجنسكي، والعمل على مواجهة ما يمكن أن تكون تحديات معيقة أمام خطط ترتيب المنطقة وفق المصالح الجيواستراتيجية، في إطار تفكيك العلاقات الجغراسياسية القائمة بين دول الهلال السوري الخصيب وتفتيتها لإضعافها داخلياً والتمكن من السيطرة عليها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى