مختصر مفيد

مختصر مفيد

لعبة شطرنج في شمال سورية

أمام المصاعب التي يواجهها الأميركي جنوب سورية مقارنة بالشمال، سواء لجهة وجود دولة حاضنة قادرة على تحمّل تبعات التورّط في الحرب، إذا قورنت تركيا القوية والقادرة على المخاطرة وصاحبة التطلع لمدى سياسي وأمني حيويّ في سورية، بكل من الأردن الضعيف والعاجز و«إسرائيل» التي تسبّب الإحراج ولا تستطيع البقاء والتموضع بقدر ما تفيد في تخريب أوضاع أو تحريك أوضاع أخرى، وعمليات تكتيكية نوعية أو إذا تمّت المقارنة بقدرة واشنطن في امتلاك حرية حركة مع فريق محلي يوالي لقيادتها ويمتلك قدرة مستقلة عن القوى الإقليمية الحليفة لواشنطن، إذا ما قورن الأكراد حجماً واستقلالاً عن الجوار بالفصائل المسلحة في جنوب سورية التابعة لتنظيم القاعدة أو للمرجعية السعودية بينما من يتبع واشنطن منها فهو هزيل وضعيف.

شكّل عنوان الحرب على الإرهاب فرصة تملّص أميركية بتأجيل الحرب على جبهة النصرة، عبر ابتداع صيغة داعش وتسليط الضوء عليها، وترك النصرة هامش مناورة له وللحلفاء، من تركيا إلى السعودية و«إسرائيل»، لكن داعش خلافاً للنصرة التي تنتشر في الجغرافيا السورية جنوباً وشمالاً، تتواجد رمزياً في الجنوب، ويتركز إعلان إمارتها في سورية والعراق شمالاً ما يعني أن ترجمة الحرب على داعش تكون شمال سورية أو لا تكون، وخلال سنوات مضت لم تضع واشنطن لجغرافيا الحرب على داعش غير كيفية التخلص من التنظيم ووجوده في الرقة والموصل، وصارت الرقة هي بوصلة كل كلام عن حرب على الإرهاب في الخطاب الغربي ووسائل الإعلام العالمية.

خاض الأميركيون حركة حجارتهم على رقعة شطرنج الشمال على قاعدة قيام حليفهم التركي بإدارة حربه غرب الفرات وعند حسم مدينة الباب والتقرّب نحو الرقة، حيث المدى المناسب للتقرّب تحت سيطرة حلفاء واشنطن من الأكراد يمكن التنسيق والتوفيق تحت القيادة الأميركية لخوض معركة فاصلة بمشاركة الحليفين. وبالمقابل خاض الجيش السوري وحلفاؤه حربهما بعد تحرير حلب، بالتقرب من الباب دون دخولها والمضي قدماً لملاقاة نقاط التماس مع الوحدات الكردية وتشكيل فرصة لنقلة «تبييت» استبدال موقع الملك والقلعة ببعضهما البعض، وفقاً لقواعد اللعبة الدولية، فيقفون بوجه الأتراك وميليشياتهم بدلاً من الأكراد ويحجبونهم عنهم، وعندما يتمّ ذلك يصير على الأتراك أحد رعاة استانة الاختيار بين إعلان سقوط أستانة ودفع جماعاتهم المسمّاة بدرع الفرات لفتح النار بدعم منهم على الجيش السوري وتلك مخاطرة بخسارة كل ما تمّ بناؤه مع موسكو، أو الدخول من الحدود التركية السورية في نقاط حدودية مباشرة مع الرقة، مثل تل أبيض لضرب الوحدات الكردية. وهذه مخاطرة بضرب الحلف التركي مع واشنطن.

وصلت لعبة الشطرنج إلى النقلات النوعية، وقام كل لاعب بنقلته المنتظرة، ونجحت سورية بفرض معادلتها، فأصرّ الأكراد على أولوية عدم تقدم الأتراك إلى مناطقهم، وأصرّ الأتراك على أولوية انسحاب الأكراد قبل التفكير بالحرب على داعش، فجاء دور اللاعب الأميركي ليترك اللعبة لحليفيه، بادل الأكراد وجودهم المهدّد من الأتراك برفع العلم السوري وتسليم المواقع للجيش السوري وحرس الحدود، وصار التركي أمام اللعبة القاتلة، كش ملك!

ناصر قنديل

ينشر هذا المقال بالتزامن مع الزميلتين «الشروق» التونسية و«الثورة» السورية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى