قراءة في ديوان «وطن بملامح عشق» للواعد محمد صوّان… تجربة نضرة برؤية خاصة

د. لؤي زيتوني

من المعلوم أن العمل الشعري نتاجٌ معقدٌ من حيث كونه بنيةً متكاملةً كل عنصرٍ فيها يرفد الآخر لتشكيل بناءٍ دلالي متماسك لا وجود فيه لانفصامٍ بين مكوناته أو هيمنةٍ لإحداها على الأخرى. من هذا المنطلق، يمكننا أن ننظر إلى الشعر بعيداً عن الوجهة التقليدية التي تحصر نفسها في منحى المعاني المباشرة من ناحية، وفي مناحي التوقيع والتزيين والتشكيل من ناحيةٍ أخرى إذ إنّ الشعر ـ على حدّ تعبير يوسف الخال ـ يبتعد عن حدو الإبل ليقترب من مستوى التصوير الذي تتكامل داخله مستويات مختلفة من البناء العام مبرزةً الرؤية الصراعية الخاصة بالعمل.

وهنا يعاجلنا الموروث الأدبي المكتوب بالعربية بالعبارة الشهيرة الواردة في كتاب الحيوان للجاحظ «المعاني مطروحة في الطريق»، لكن هذا الموروث يحيلنا إلى وجهٍ دلالي وحيدٍ يفقد العمل الأدبي عموماً، والشعري منه على وجه الخصوص، قدرته على اختراق الأزمنة والأذهان، وعلى امتلاك خاصية التجدد من خلال عملية التلقي. وفي هذا السياق، يصبح العمل الشعري قائماً على المقدرة التي يمتلكها الشاعر في تشكيل اللغة على النحو الأجمل والأكثر تأثيراً فقط.

إلا أن الشعر بحد ذاته تجاوز هذا الجانب، وبات أبعد ما يكون عن المفهوم الكلاسي المتوكئ على مبدأ تقسيمي بحت وأقصد أنه مع التحول النوعي الذي طاله من خلال حركة مجلة «شعر»، قد اتخذ مفهوماً يستند إلى كونه رؤية ولغة في آن، انطلاقاً من نظرةٍ مدرحيةٍ إلى الوجود. وبالتالي فإن الشعر لا يعود، والحال هذه، لغةً فريدةً، أو تعاملاً خاصاً مع اللغة بمعزلٍ عن خصوصية الفكرة والنظرة التي يحملها هذا الشاعر أو ذاك، وهو الأمر الذي كثيراً ما نصادفه في أدبنا القديم والمعاصر بل هو تعاملٌ فريدٌ مع هذه اللغة أساسه رؤيةٌ مختلفةٌ إلى الحياة والكون والفن.

بناءً على هذا الفهم للشعر، نستطيع أن نقرأ النتاجات الشعرية على وجه العموم، ومنه النتاج الذي بين أيدينا خصوصاً، والمعنون «وطن بملامح عشق». وإن كان الديوان خطوةً أولى لشاعرٍ واعدٍ عرفناه على مقاعد الدراسة، كما عرفناه ضمن إطار التواضع والوفاء اللذين اتسم بهما العزيز محمد صوان.

في هذا السياق، يمكننا أن ننظر إلى هذه التجربة بوصفها شعراً بكل ما للكلمة من معنى، تقبض عليها بنية دلالية كبرى تحكم كافة قصائدها، يمكن أن نختصرها بثنائية الواقع المؤلم/إرادة الحياة .

يمكننا أن نجد حضوراً واضحاً لهذه الثنائية في مواضع عدة من الديوان، وعلى مستوياتٍ مختلفةٍ من مستويات البنية الدلالية الكبرى. فعلى سبيل المثال، تطل هذه الثنائية علينا في البيتين الآتيين:

فينا لم يعد فينا نبض الحروف

والحمد للريح التي أزاحت ضباب الجروح

نلاحظ هنا بروز الواقع المؤلم المتمثل في فقدان نبض الحروف، ما يوحي بانعدام الابداع وبانعدام المعنى. في مقابل ذلك، نرى إرادة الحياة المتمثلة بفعل الريح التي استطاعت أن تهزم الجرح، نظراً إلى قدرتها على تجديد الحياة. ولعل هذا ما يمكن أن نجده في الإيقاع الداخلي للبيتين، إذ نرى تكرار «النون» في السطر الأول، مع تتابع ورود حروف المد، ما يشير إلى الأنين المتصاعد بسبب الواقع. أما الثاني، فنلاحظ فعل الحياة الذي برز من خلال تكرار حرف «الحاء» إلى جانب حروف المد، وبالتالي تعطي إيحاءً بقوة الحياة في مواجهة الألم.

كذلك نقرأ في موضعٍ آخر من الديوان وجهاً آخر من وجوه تلك الثنائية، وهذا في الأبيات الآتية:

نائمة أنت في موسم الحصاد

وكان جسمك الحنطي كقمحٍ

مترنحٍ نائمٍ

على جذع شجرة الكرز اليابسة

كان جسمك

ذاك النهر البعيد،

كان عذباً كمائه!

متدفقاً

هائماً يقصد البحر…

الارتباط الواضح بالأرض أو بالبيئة الطبيعية يبرز إرادة الحياة ولعل ذلك ما يمكن أن نراه في المستوى الصرفي المؤثر في المقطع، وهذا ما يكمن في احتشاد أسماء الفاعل نائمة- مترنح- نائم- اليابسة- متدفقاً- هائماً ، الأمر الذي يوحي بفاعلية تلك الإرادة وبأن روح الحياة هي التي ستنتصر.

إضافةً إلى ذلك، نجد حضور الواقع المؤلم في نظر شاعرنا، وذلك من خلال ما نراه في ما يأتي:

لا يفعل شيئاً

سوى النظر

عبر الشبابيك الخشبية

والزجاج الأخضر،

يتأمل من شكه المرتعد

صوت الناس في الخطاب…

يبرز هنا الحضور الفاعل للنعوت التي أضفت على المقطع نوعاً من الايحاء بحضور الواقع على حقيقته، واقع تسيطر عليه الغشاوة والتشوه. فألفاظ الخشبية- الأخضر- المرتعد أوضحت أولاً التمسك بالقديم في واقع الشعب عبر الخشب، كما أوضحت حقيقة رؤية هذا المجتمع المخالفة لمنطق التطور من خلال الغشاوة الخضراء، والاخضرار قد يرتبط أيضاً بالمنحى الايماني أما صفة المرتعد فتمثل السيطرة على العقل عن طريق الخوف الصادر عن تعاليم الخطاب الديني.

وبناءً عليه، نستطيع أن نصنف محمد صوان شاعراً بكل ما للكلمة من معنى، لأنه امتلك أدواته الشعرية بكل ثقة، دون أن يغفل عن أهمية الرؤية الكامنة وراء كل ذلك.

يبقى أن ننظر إلى ديوان «وطنٌ بملامح عشق» بوصفه محاولةً أولى لعاشقٍ كنعاني آثر أن يتّخذ من شعره منهجاً لقراءة العالم داخل إطار هذا المنحى المدرحي، إذ تكون فيه الكلمة وجهاً من وجوه الرؤية لا بعداً آخر منفصلاً عنه وهذا ما يحدث تكاملاً وتماسكاً في العملية الابداعية لديه.

وأن أصف محمد صوان بالكنعاني، فهذا ليس من باب كونه فلسطينياً يحمل فوق كاهله معاناةً متواصلةً لشعبٍ كاملٍ ذنبه الوحيد أنه وقع على طريق مخططٍ نظامي يعود إلى ما قبل تيودور وبازل لكنه كنعاني لارتباطه المقدّس بالأرض، إذ إنّ هذه الأرض بقيت هاجساً في جميع قصائده إلى حد تصريحه «هنا في قلبنا وطنٌ». وهذا ما يمكن أن يكون تجسيداً للارث الكنعاني الموصوف من قبل من عجز عن فهمه بأنه «اثم».

أما أن أطلق عليه لقب «عاشق»، فليس هذا من البدع. لأن العشق ظل بادياً على مدى الديوان، ليس عشقاً للأرض فحسب، بل هو السبيل إلى التفاعل… مع الحبيبة من ناحيةٍ أولى، فهو وسيلة للاستمرار إذ يطلق حكمته «فمن يعشق ينسى مواعيد المقابر» إلى جانب كونه السبيل إلى الدخول في عمق المجتمع المفكك، وهو الذي يهجس بالتئام الحدود في غير موضعٍ من الديوان. ولا عجب في ذلك، فهو الذي عمل على هذا الالتئام فهو الفلسطيني المرجع، والشامي المولد والمنشأ، واللبناني إقامةً وهوًى وشعراً.

على هذا الأساس يجب أن نقرأ ديوان «وطنٌ بملامح عشق» بوصفه بدايةً شعريةً أصيلة وواعدة لقلمٍ لا يستطيع الفصل بين رؤيته والفعل الكتابي، ولا حدود تقف بينهما، لغته رؤيته، ورؤيته لغته… لكنها بطبيعة الحال، ليست رؤيةً قد نقرأها عادةً، وليست أفكاره مما قد نتوقعه أو نجده لدى تجارب شعرية يتم التهليل لها بمبررٍ أو بغير مبرر. ففي قصائده يمكن أن نستخلص بذوراً صلبةً لرؤيةٍ متكاملةٍ خاصةٍ به إلى الحياة والكون والفن لا تشبه رؤيةً أخرى، وإن أفادت من عصاراتٍ فكرية معروفةٍ وواضحة.

ولذلك يمكن أن نقف بعد هذا الديوان وقفة انتظار لنرى كيف ستغدو عليه رؤية محمد صوان مستقبلاً، وكيف سيتنامى المنحى المدرحي لديه ضمن إطار كنعانيته الموثوقة. وبين هذا الديوان وما سيتبعه، لا يمكن إلا أن نرى في نتاجه هذا ولادة شاعرٍ بكل ما للكلمة من معنى، وانطلاقة تجربةٍ شعريةٍ وجوديةٍ عليها مسؤولية مواجهة الوجود وبلورة فرادتها، وبالتالي بصمتها الفاعلة.

كاتب ومُحاضر في الجامعة اللبنانية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى