ثمن المشاركة التركية في التحالف ضدّ داعش؟

هدى رزق

تقف تركيا عند مفترق، فالمشاركة في الحرب على «الدولة الإسلامية» دونها مخاطر بالنسبة لها، وستترتب عليها تداعيات خطيرة، لا سيما إن كانت الحسابات غير دقيقة. فبعد عقد الرئيس أردوغان اجتماعاً مع نائب الرئيس جو بايدن والاتصال مع الرئيس أوباما قال في تعليقه على مواجهه تنظيم داعش الإرهابي: «إن هناك ثلاث مواضيع مهمة في الخطوات التي ينبغي أن نخطوها. أولاً، إعلان منطقة حظر طيران وتامينها. ثانياً، تأسيس منطقه آمنة في الطرف السوري وتحديد طبيعتها. وثالثاً، تحديد الجهات التي سنتعاون معها وكيفيه التنسيق لإدارة هذا الأمر وفق مفهوم التدريب والتجهيز، ومناقشة تفاصيل هذه المواضيع كافة.»

عاشت الحكومة التركية منذ أسابيع قلقاً على وقع مفاعيل عدم مشاركتها في التحالف لضرب «داعش» و»النصرة»، إذ اتهمتها الصحف الغربية علانية بدعم هذه التنظيمات وإدخالها الأراضي السورية بهدف إسقاط النظام، أجبرت على ترحيل عدد من المقاتلين بعد ضغوط مكثفة مارستها الولايات المتحدة، وبعد قرار الأمم المتحدة اعتبار كل دولة تأوي الإرهاب أو تسهل مرور الإرهابيين عرضة للمساءلة. يبدو أن تركيا وعلى لسان رئيس وزرائها داوود أوغلو في خطابه في مقر حزب العدالة والتنمية تود معرفة إن كانت هناك جدوى من المشاركة في هذه الضربات وإن كانت ستعيد الاستقرار إلى المنطقة. وشدد على «اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأمن القومي» لتركيا.

ومن المتوقع عقد جلسة للبرلمان التركي في الثاني من شهر تشرين الأول المقبل من أجل بحث مسألة آليات المشاركة.

تدرك تركيا حجم الأخطار التي يمكنها أن تترتب عن هذه المشاركة، وهي طرحت هواجسها لأنها تخشى من بروز معادلة استراتيجية جديدة في المنطقة على حساب مصالحها الإقليمية، ووحدتها الوطنية الجغرافية والديمغرافية وأمنها الوطني. الخشية، أيضاً من أن يكون النظام السوري المستفيد الأكبر من هذه الحرب، التي يمكن أن تؤدي إلى تقويته. الخوف يتمظهر في عدم تحقيق هذه الحرب أهدافها أو حدوث فوضى يمكنها أن تصل إلى الداخل التركي.

في حال تهديد تنظيم «الدولة الإسلامية» للسلطات التركية بضرب صناعة السياحة التي تدر 35 مليار دولار على الخزينة التركية ستكون تركيا في عين العاصفة فهي لم ترسل جنودها في عمليات برية داخل الأراض السورية منذ وقوع الحرب في سورية أي منذ ثلاث سنوات.

يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يؤدي إلى نسف الإنجازات الاقتصادية التي يستند إليها أوغلو ورئيسه أردوغان من أجل تثبيت أقدامهم في الساحة السياسية التركية.

لا تشبه تركيا الدول العربية التي أخذت قرارها بالمشاركة من دون حسابات وخسائر سياسية وليست هذه حالها. لديها حسابات تصطدم بالأجندة السياسية الأميركية للمنطقة. لكن أمام الضغط الأميركي لا خيار لها إذ يمكن للمشاركة أن، تحفظ مصالحها ولا تضعها خارج سياق الانعطافات الدولية والأحداث المهمة التي ستترك تداعيات على المنطقة بأسرها.

ضمن هذه الحسابات يصف أردوغان، الغارات الأميركية ضد مواقع داعش في سورية بالإيجابية، ويأتي هذا التصريح متزامناً مع المشروع الذي قدمته الحكومة التركية إلى البرلمان، لنيل تفويض يتيح للجيش القيام بعمليات عسكرية في سورية والعراق، وإقامة منطقة أمنية عازلة على حدود تركيا مع البلدين، فهل وافقت الولايات المتحدة على المشروع الأخير لا سيما أن تركيا تريد معرفة جزء من الخطة وإن كانت هذه الضربات ستؤدي إلى نهاية الأزمة السورية، سواء في تسوية سياسية أو في حرب ضد النظام لإسقاطه، ودورها وموقعها من هذه العملية؟

الاستراتيجية الأميركية تتحدث عن حرب ضد داعش، قد تطول ثلاث سنوات، وعن حل سياسي للأزمة السورية، بعد تجربة جنيف الفاشلة لكن تفاصيل هذه الاستراتيجية ما زالت غامضة بالنسبة إلى تركيا التي تخشى، في العمق، من أن يكون الأكراد المستفيد الأكبر من هذه الحرب، وأن تؤدي الأحداث إلى ولادة إقليم كردي في سورية بات يتواصل جغرافياً مع أكراد العراق وتركيا، لذلك غضت النظر وسهلت وصول داعش إلى عين العرب كوباني ما أدى إلى إعلان حزب العمال الكردستاني وقف عملية السلام الكردية التركية على وقع هذا، واتهام الأكراد تركيا بدعم داعش، والتهديد بالعودة إلى العنف. كما أنها تخشى من تعزيز قدرات سورية وإيران ما يعني إضعافها وتشعر وكان الدور الفعال في سورية والعراق قد أعطي للسعودية.

تبدو تركيا وكأن لا خيار لها في ظل الضغوط الأميركية وعليها فقط حساب التداعيات والمصالح، خصوصاً أن الحرب باتت واقعة، وتركيا لا يمكنها أن تكون خارج التحالف وهي العضو في الحلف الأطلسي وإلا فقدت الحماية بعد أن خاضت حربها ضد سورية وعينها على كسر الامتداد الإقليمي لإيران في الشرق الأوسط. كل هذا يخيفها بعد تحسن العلاقة بين إيران وواشنطن وفتح باب المفاوضات التي غير مسارات الحرب على سورية. هل وعدت تركيا بمنطقة أمنية عازلة كثمن للمشاركة في هذه الحرب، هذا ما أوحاه تصريح أردوغان، ما يعني استكمال الحرب إلى ما بعد ثلاث سنوات.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى