باراتشنار وتراجيديا المواقف البائسة في باكستان…

هادي حسين

كان صعباً عليّ التزام الصمت والاكتفاء بالمراقبة الدقيقة لمجريات الأحداث الأخيرة في باكستان على خلفية التفجير الإرهابي في مدينة باراتشنار، عاصمة «كورام ايجنسي» في المناطق القبلية الباكستانية. والذي وقع يوم الجمعة 23 يونيو/ حزيران في الأسبوع الأخير من شهر رمضان، لا سيما أنّ عدد الضحايا كان مفجعاً وهائلاً، فبحسب وسائل الإعلام الباكستانية راح ضحية هذا العمل الإرهابي الذي تبنّته جماعة «لشكر جنغهوي» المحظورة، 74 شهيداً. لكنني أحببت أن أنتظر وأراقب كلّ اللاعبين والأطراف الرسمية وغير الرسمية، المدنية والعسكرية، المحلية والخارجية، لأتمكّن من رسم صورة واضحة لتراجيديا المواقف البائسة، اللَّهُمَّ حمية وغيرة الشيخ ناصر عباس، أمين عام مجلس وحدة المسلمين.

غير أنني في هذه العُجالة سأخصّ الموقف الرسمي الباكستاني لحكومة نواز شريف بالعرض والتحليل، متجنّباً الكلام عن الأطراف الأخرى، واللاعبين – الإسلاميين خصوصاً – الذين أنِسوا الجلوس على مقاعد الاحتياط، مع تشبّثهم بالقميص رقم عشرة!

فبينما لم تتمكّن الحكومة من احتواء ميليشيا «لشكر جهنغوي» التي ظهرت كجماعة متطرفة مسلحة، في تسعينيات القرن التاسع عشر، لا تزال تتحدّى جهود البلاد لمكافحة الإرهاب، إلا انّ سياسة الدولة إزاء التحدي الطائفي فى البلاد لا يزال ضمن دائرة ردّ الفعل غير المحسوب.

وكذلك الجماعات الشيعية، التي تُعتبر الهدف الأول للميليشيات المتطرّفة والتكفيرية في البلاد كجماعة «لشكر جهنغوي»، فمنذ عام 2002 إلى الآن استشهد ما يزيد عن 2600 مسلم شيعي نتيجة الأعمال الإرهابية للجماعات التكفيرية، بحسب تقارير «South Asia Terrorism Portal». لكن ذلك لم يغيّر من حقيقة أنّ استجابة الجماعات الشيعية للتحدّي الوجودي لا يزال ضمن نطاق ردّ الفعل، كما رأينا في تحرّك الشيخ ناصر عباس، أمين عام مجلس وحدة المسلمين، مع عجز شيعي في باكستان عن امتلاك أدوات الحضور السياسي، ناهيك عن النفوذ والقدرة.

علاوة على ذلك، من جانب النخبة المدنية الحاكمة، ظهر تسييس النزعة الطائفية كنهج جديد للردّ على الأصوات التي تطالب بإجراءات سريعة وشاملة ضدّ جميع أنواع التحديات الطائفية في البلاد. ولقد أصبح شائعاً من جانب النخبة المدنية الحاكمة أنّه كلما احتجّ ضحايا التشدّد الطائفي – في هذه الحالة المواطنون الشيعة في باراتشنار – واحتجّوا مطالبين باتخاذ إجراءات ضدّ الجناة، تخرج الحكومة لتدعو المحتجين وتطالبهم بعدم تقسيم البلاد على أسس دينية وعرقية. ومن المفارقات أنه بدلاً من الحديث عن تغييرات محتملة في السياسة للتعامل مع هذا التحدّي، فإنّ الحكومة سخّرت إعلاميين وناشطين على وسائل الإعلام الاجتماعية ونُخب من المجتمع المدني من أجل التحريض المضادّ واتهام الضحية والمطالب بحقهم الشيخ ناصر عباس في هذه الحالة – بأنهم يخدمون أجندة أجنبية تستهدف وحدة البلاد.

على ذلك، فإنّ مجرد الاحتجاج الديمقراطي والسلمي حتى تصنّف كأنشطة غير وطنية من جانب الحكومة. ويُنظر إليها على أنها خدمة لأعداء باكستان، التي تكمن المشكلة برأيي المتواضع أنّها ترفض النظر إلى الأسباب وتكتفي بالنظر إلى النتائج وردود الأفعال، كيف لا وهي نفسها جزء من الأسباب.

إذا كانت احتجاجات المجتمع المدني في أعقاب هجومٍ مُسلح يُقسم البلاد على أسس دينية وعرقية، كما يروّج إعلام نواز شريف، فماذا تحقق سياسة الحكومة المتقاعسة عن أداء أوضح واجباتها المتعلقة بحفظ مواطنيها، عندما تستجيب فقط لجريمة بهذا الحجم من خلال تقديم تعويضات مالية وحمل شكاواهم على أنها ضدّ المصلحة الوطنية؟

والعجيب أنّه لم تجر أيّ دعوة لمواجهة جميع التحديات الطائفية التي ما زالت تحطم ثقة باكستان المتزايدة في التصدّي للقتال المسلح في البلاد. ومن الواضح أنّ الحكومة لا ترى «التشدّد الطائفي» المستمرّ والتقسيم الديني الذي تتسبّب فيه جزءاً من مشكلة الإرهاب في باكستان.

فقبل بضعة أشهر، قال وزير الداخلية في البلاد، تشودري نثار، في بيان له إنّ «المنظمات الطائفية المحظورة لا يمكن أن تكون مساوية للمنظمات الإرهابية المحظورة الأخرى». في حين أنّ كلا النوعين من المنظمات لا يزال يقتل الأبرياء في البلاد.

إذا كانت المنظمات الطائفية ليست منظمات إرهابية، فلماذا قتل آلاف المدنيين في أعمال العنف الطائفي؟

المؤسف أنه عند صدور هذا البيان لوزير الداخلية الباكستاني المعروف بعلاقاته مع الجماعات الطائفية المتشدّدة، استبشر أحد الأصدقاء الباكستانيين في بيروت خيراً، وفهم من ذلك أنه تعبيدٌ للطريق أمام جماعته لرفع الحظر عنها!

المؤسف أيضاً، أنّ عمران خان، رئيس حركة الإنصاف الباكستانية الزعيم السياسي الرئيسي الوحيد الذي سافر إلى المدينة للقاء المتظاهرين. لكن وحتى خان، في خطابه أمام المتظاهرين في باراشينار، لم يتحدث عن الأسباب الداخلية والعوامل التي تجب المسارعة إلى معالجتها لاحتواء التشدّد الطائفي في البلاد. بل تحدث فقط عن «مؤامرة دولية» تعمل بجدّ ليل نهار لتقسيم باكستان من خلال استغلال الاختلافات الدينية والثقافية والعرقية في البلاد. فبدبلوماسية عالية حاكى خان الموقف الحكومي وتلقط الشيخ ناصر عباس بتقديري إشارات عمران خان الذي أشار إلى أنّ مجرد الاحتجاج حتى والشروع في مناقشة التشدّد الطائفي يوصل إلى تدخل الأيادي الخفية التي تريد أن ترى سفك الدماء والتنافر في باكستان.

ومما يؤسف له أيضاً، أنّ النخبة الحاكمة في باكستان لا تزال غير مبالية إزاء تزايد التحديات الطائفية في البلاد.

وما لم تتمّ معالجة الدوافع الأساسية للاقتتال الطائفي، الذي ينبع أساساً من البيئة المحلية لباكستان، فإنّ عدم الاستقرار سيظلّ يطارد البلد…

كاتب وباحث باكستاني

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق