الطوائف والسيادة ١

نسيب أبو ضرغم

الطوائف والسيادة، هما من الوجهة المبدئية والمنطقية عبارتان متناقضتان، فقد جمعتهما معاً إرادة أجنبية استهدفت تحقيق مصالح هائلة لها، كإرادة ظاهرة الإرادة الفرنسية ، وإرادات كانت لا تزال عهدذاك غير واضحة وظهرت بعيد العام 1943 على مسرح المنطقة، وأعني بها دولة الاغتصاب اليهودي في فلسطين مبدئياً.

عبارة سيادة تطلق عادة على جغرافية الأوطان، وأناطت جميع دساتير العالم أمرها بالدولة. الدولة الواحدة الموحدة المعبّرة عن مصالح الشعب والوطن ككل واحد.

أمّا أن تُجمع عبارة الطوائف بعبارة السيادة، فذلك كإدخال السم في الجسم الصحيح، ذلك أنه ليس للطوائف مفهوم وقناعة بسيادة، غير سيادتها على نفسها فحسب، فالوطن يحضر ويغيب على قياس وجود سيادة هذه الطائفة أو تلك، سواء على جغرافية الوطن أو في مكامن السلطة العامة. لكل طائفة سيادتها، وجامعتها، واقتصادها، ووسائل إعلامها، وأنديتها الرياضية… والأخطر مشاريعها السياسية وأحزابها.

لكلّ طائفة خطابان، الأول يمثل كامل النفاق وهو المعدّ للإعلان والتسويق ـ للعموم، والثاني يمثل صدق النوايا والمخططات، وهو مُعدّ للزوايا المظلمة والغرف المقفلة، وما أكثرها.

ليست الوطنيّة لدى الطوائف سوى خطاب سطحي تتقوّل به ساعة تكون هذه «الوطنية» قادرة على خدمة مصالحها، وتطويه ساعة تصبح مسؤولية تتعدّى حدود نزوتها.

ليس من مقدّسات لدى الطوائف، كما لدى الشعوب الأخرى، فالخيانة أمر مقبول، بل مطلوب أحياناً إذا كان يخدم الطائفة… ووحدة التراب الوطني سلعة يمكن عرضها في سوق نخاسة الطوائف لحظة يكون تقسيم هذه الأرض خدمة للطائفة.

ليس من مقدس لدى الطوائف إلاّ هي، فهي ذروة الوجود وغايته وكل شيء في خدمة هذه الغاية.

يُقسّم المستعمر بلادنا فتصفّق له طوائف، ويصبح تقسيم أرض الآباء والأجداد نعمة تقدمها الأم الحنون فرنسا ومَنْ وراءها من اليهود، ويعمل ممثلو هذه الطوائف على حث الغرب على تنفيذ مخططاته، فهذا إميل أده وأثناء زيارته لباريس في حزيران 1937 يجتمع برئيس الوزراء الفرنسي ليون بلوم اليهودي، ويتباحثان معاً حول العلاقات اللبنانية ـ الصهيونية، وكان من نتائج هذه المباحثات تسهيل بيع الأراضي في جنوب لبنان إلى اليهود، كما أعلن إده في باريس «أن خلق جمهورية صهيونية ليس من شأنه أن يكون غير سارّ لنا» المرجع: محمد جميل بيهم، قوافل العروبة ومواكبها خلال العصور، ج 2، ص 108. أيضاً أنظر: يوميات أكرم زعيتر ـ الحركة الوطنية الفلسطينية ص 293 ـ ورد في كتاب ـ لا نستحي بتاريخنا ـ للكاتب غسان خالدي، بيروت، ص 32 .

لم يقتصر الأمر على زعماء الطوائف المسيحية، فخير الدين الأحدب رئيس الوزراء كان أحد المتعاملين السابقين مع الشركات اليهودية في فلسطين، وقد كشفت جريدة «ألف باء» الدمشقية عن وثيقة يعود تاريخها إلى ما قبل توليه رئاسة الحكومة، تثبت أنه اشترك مع آخرين لشراء مئة ألف دونم من أراضي صيدا وصور لبيعها للشركات اليهودية وثيقة الألف باء 1937 نقلاً عن وثائق الهيئة العربية العليا ـ أوراق غزة دروزه وثيقة رقم 39 ـ ورد في مؤلف غسان خالدي السابق، ص 33 .

… وهذا رياض الصلح يذكره بن غوريون في كتابه «أحاديثي مع زعماء عرب» فيقول: «إن موستي شرتوك «ستيريت» حينما قام بزيارة لبنان، اجتمع بالصلح، الذي وعد الصلح بأن يقوم بزيارة فلسطين من أجل استكمال المحادثات، وقد وصل فعلاً إلى القدس في أواخر شهر أيار، أو في أوائل حزيران عام 1934، وأضاف بن غورين أنه اجتمع إلى الصلح بحضور أهرون حاييم كوهن، الفارسي الأصل وأحد المسؤولين عن القسم العربي في الدائرة السياسية. وقد أعرب الصلح عن عزمه على العمل من أجل تفاهم عربي ـ يهودي وقد ذكر بن غوريون أن النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للصلح… كانت إقامة علاقات بين الدولة اليهودية في فلسطين والاتحاد العربي المستقل «الذي يشمل البلدان المجاورة» ويعود بن غوريون ليقول «إنه في العام 1936 التقى بن غوريون الصلح في باريس وكان عضواً في الوفد السوري الذي كان «يفاوض الفرنسيين في مسألة الانتداب». الجذور التاريخية للعلاقات الصهيونية ـ اللبنانية ـ بدر الحاج، ص 114، نقلاً عن كتاب غسان خالدي السابق، ص 118 .

تقول لورا إيزنبرغ في كتاب «عدو عدوي» ص 128:

«كان حزب الكتائب على صلة وثيقة برئيس الوزراء رياض الصلح، وكان كلاهما على صلة تاريخية متينة بأركان الوكالة اليهودية». غسان خالدي ـ ما نستحي بتاريخنا، ص 128 .

لا ضير لدى الطوائف من أن تنحدر إلى مستوى السماسرة، طالما أن المقابل هو المال والدعم السياسي، فهذه هي الشركات الصهيونية استطاعت أن تجند عدداً من السياسيين والشخصيات ليكونوا سماسرة لها في شراء الأرض لمصلحة الوكالة اليهودية «ففي 27 أيار 1935 عقد اجتماع ضم «الماركي» جان دوفريج وجورج يكن ثابت وغبريال طراد ونقولا دوماني ورشيد بك حمادة وكميل شمعون، وقد تم الاتفاق بين المجتمعين على تنفيذ الاقتراح الهادف إلى تشكيل لجنة قوامها الأشخاص المدرجة أسماؤهم أعلاه، لتخمين وشراء الأراضي في سورية ولبنان ومنطقة العلويين، لتأمين استيطان المهاجرين اليهود الذين سمح لهم بالإقامة في هذه الأراضي…» من وثائق مركز الأبحاث ضمن مجموعة الهيئة العربية العليا لفلسطين مُصنّفة وفق ما يلي: ملف ب V11 الوثيقة رقم 8 ـ ورد في كتاب غسان خالدي السابق، ص 25 .

أيضاً: «فقد منحت الحكومة اللبنانية برئاسة رياض الصلح رخصة استثمار جبل يقع بين عاريا وشويت يصلح ترابه لاستخراج الزجاج، وبالفعل قامت الشركة الصهيونية بنقل كميات هائلة من هذا التراب إلى المعمل الصهيوني في فلسطين». جريدة النهار ـ 7 أيلول 1945 ـ العدد 3193. ورد في كتاب غسان خالدي ـ السابق، ص 48 ـ 49 .

سوف نعمد في سلسلة من المقالات إلى وضع حقائق تاريخية موثّقة توضح بالتأكيد كيف تتلاعب الطوائف وتقامر عبر قياداتها بمستقبل البلد وشعبه، فالسياق الواحد هو هو، منذ ما قبل قيام الكيان «الإسرائيلي»، أي منذ العام 1913، أي بعد 16 عاماً على انعقاد مؤتمر بال الصهيوني، وثمة من يمد اليد للصهاينة على حساب أمن البلد ووحدته وكرامة أبنائه. ويبدو أن هذه الجماعة استمرت بهذا النهج ولا تزال حتى الساعة. أما السؤال الذي سيطرح، ولماذا الآن يعاد طرح هذه الحقائق، فالجواب هو ما يحصل اليوم من طغيان للمؤامرة التي تكاد تطيح وجودنا حتى الفيزيائي على هذه الأرض، وثمة من يرفض تسليح الجيش، حتى بلا مقابل، لأن «إسرائيل» لا تريد لنا جيشاً قوياً!

مَنْ يقف على الوقائع التي ننشرها يدرك مدى الفاجعة الوطنية الحاصلة، ومدى الخطر الناشئ عنها، وذلك باستمرار الفئة ذاتها بالسلوك عينه، فيما مصير المنطقة برمتها على كف العفريت اليهودي.

فذكّر ربما نفعت الذكرى.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى