سقوط القدس بعد الأندلس وفخر العرب

د. رائد المصري

لا يتغنّى بالبهرجة والعنصرية والنّفخ والتّطبيل إلاّ من طاولته عورات النّقص والصّعوبة في تحقيق الذات وإثباتها على مدى قرون. وهي عقدٌ ضاربةٌ الجذور في الموروث التاريخيّ للعرب نتيجة نزعة البداوة المكبوتة بداخله منذ ما قبل مجيء الإسلام والدعوة المحمّدية. وهي عوارض تحوّلت أمراضٍاً مزمنة رافقها نقصٌ في الرجولة والمناعة وإثبات الذكورية العربية وفحولتها، إلاّ في تطبيقها على المرأة من خلال امتلاكها وافتراسها بلا رحمةٍ ولا شفقة. وهي عقدٌ نفسيةٌ واجتماعية مركّبة لم يستطع الإسلام بهالته وقوته أن ينهي هذا القوم ويمنعهم عنها، فظلّت وصفاتٌ كنقص الرجولة وأشباه الرجال وغيرها من النّعوت، ملازمة لحال العرب في كلّ قضاياهم وبؤسهم الذي فاق كلّ الحدود، وكأنّ هذه التوصيفات تنطبق عليهم حفراً وتنزيلاً أقلّه بما يختصّ بالكرامة العربية وبمقدّسات الأمة وباغتصاب الأرض والعرض….

لم أدرج هذا الكلام إلاّ في سياقه مناسبة وتوقيتاً وتحولاً تاريخياً يعيشه العرب مشرذمين متناحرين تتنازعهم التفرقة وتأكلهم العنصرية المضمرة حيناً والظاهرة أحياناً كثيرة، وتطحنهم الأصوليات التكفيرية، التي لا زالت تجد الملاذات الآمنة لها في الكثير من مناطق الصراع في سورية والعراق ولبنان وفلسطين وسيناء مصر ودول شمال أفريقيا من دون أن ننسى اليمن ودول الخليج…

ففي مقابل الجهود والتضحيات التي قدّمت لكسر المشروع الاستعماري الأميركي الصهيوني الجديد في سورية والعراق ولبنان، حيث بتنا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الانتصار الرسمي والإعلان عنه، عادت أثقال الأزمات من بوابة فلسطين والقدس ونقل السفارة الأميركية، والإعلان عن تحقيق ذلك يوم ذكرى النكبة في الخامس عشر من أيار، وكأنّها عملياً تشكّل الردّ على المنجزات التي تحقّقت في منع التقسيم وتثبيت وحدة الدول وإنهاء مفاعيل التآمر وضرب الشرعيات صاحبة السيادة والحق في الدفاع عن بلدانها، وليس أقلّها إجهاض مشاريع الراديكاليات الإسلامية التي تريد أن ترسم بريشتها التكفيرية خرائط المنطقة بما يخدم المشاريع الغربية والأميركية ويحمي الكيان الصهيوني.

إنجازات حقّقها محور المقاومة، حيث بدأت تأخذ فاعليتها وأدوارها الحقيقية، قابلها تصعيدٌ وتمدّد للقاعدة في اليمن وبوادر تقسيم حقيقية لهذا البلد على مستوى الفصائل المسلحة وولاءاتها القبلية والعشائرية لتدخل في تطاحن وصراع قد يمتدّ خمسين عاماً مقبلة.

إنجازات تحقّقت في سبيل تثبيت دعائم دول المنطقة ومنع تقسيمها، قابلها إنجاز لصفقة غاز مصرية مع العدو الصهيوني بـ 15 مليار دولار تتكفّل مصر تسويقها وتوزيعها وبيعها لتشرعن العلاقة والتطبيع والتعامل مع كيان غاصب للأرض وللعرض ويتحدّثون عن نقص في الكرامة وعن أشباه الرجال والقامات…

إنجازات متحقّقة في وجه المشروع الإستعماري الغربي، قابلتها تصريحات ممجوجة لرئيس السلطة الفلسطينية ومكرّرة لخطابات تمهّد وتسهّل التنسيق الأمني لملاحقة المقاومين، وتعمل كمخبر صغير عند الإسرائيلي لتشي عن مكان وجودهم، كما فعلوا بالبطل الشهيد الجرار… رافقها موقف أردني ليس أقل خزياً وهو الوصيّ الهاشمي على المقدّسات في القدس وكلّ فلسطين، ليعلن فتح السفارة الصهيونية في عمّان بعد مقتل مواطنين أردنيين بدم بارد من قبل حراس السفارة الإسرائيلية…

إنجازات لتحصين الأمّة ودولها تحقّقت بوجه ريشة التكفير والإرهاب الأميركي الصهيوني، قابلتها تصريحات ومواقف لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير في تكرار لازمته بأنّ الكيان الصهيوني ليس العدو، بل إيران والدعوة لحشد الجهود والطاقات والأحلاف لقتالها…

أمراء الطوائف والقبائل العربية حتى لو كانوا في زمن التحضّر والمدنية، ما زالوا يقتتلون بالمجّان ويريدون إطالة الحروب العبثية لا لشيء إلاّ خدمة لرعاتهم الاستعماريين الغرب والصهاينة، ولمعرفة كيفية إثبات فحولتهم وذكوريتهم المنقوصة أصلاً والمفقودة منذ سقوط بلاد الأندلس وطردهم منها بعد أن عبثوا وأفسدوا واقتتلوا وعمّموا ثقافة الأنا وحبّ الذات والفردية والشخصانية وتوريث الحكم وإعادة إنتاجه. وهو فعلٌ تاريخيٌّ قد لا يخلو لبنان من بعض أدبياته في التوريث السياسي لبعض الإقطاعات والعائلات والعصبيات العشائرية، التي تمادت كثيراً وغذّتها مصالح البرجوازيات اللبنانية على اليمين وعلى اليسار لإثبات النقص الحاصل في الميادين كافة…

لن أقول وداعاً للقدس، بل الى اللقاء في يوم تاريخيٍّ جديد يستعيد فيه العرب بعضاً من الشهامة والعزّة التي ثبّتها الإسلام ودينه الحنيف يوماً وكرسها لخدمة القضايا المحقّة المجتمعية، وليس على طريقة المولود الذكر الحامل للاسم وللإرث ولكلّ المنتج الذي تعفّن عبر التاريخ العربي الرديء، الذي أوصلنا الى هذا الدرك الأسفل من الذلّ والمهانة والخنوع والمظلومية…

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

اضف رد