مغتربون سوريون يكسرون الحصار الإعلامي ويحملون معهم رسالة حبّ من سورية إلى العالم

عبير حمدان

حين نرتبط بالأرض تصبح جزءاً من الذات التي تعتنق الانتماء ديناً يناقض كلّ ما تشهده بلاد الشام من ويلات باسم الدين، لعلها الحضارة المتجذرة في النفوس مهما أخذت البعض سنوات الاغتراب بعيداً عن موطنهم، والوطن ليس حكاية يقصونها إنما هو نسيج يحدّد موقفهم وقناعاتهم بأنّ الحرية لا يمكن أن تكون مادة تصدّرها أنظمة الاستعمار ومن هنا تكون النهضة هي المقياس والفكر القومي اختيارا وقرارا.

ولأنّ بلاد الشام أكبر من أن ينال منها هذا الكمّ الهائل من الحقد تبقى صورتها راسخة في عقول وقلوب كلّ من غادرها ولو منذ عشرات الأعوام، من هنا قرّرت مجموعة من المغتربين السوريين في الأرجنتين كسر الحصار الإعلامي وزيارة سورية للتعبير عن تضامنهم وتمسكهم بجذورهم وليحملوا معهم رسالة حبّ من المدن السورية كافة إلى كلّ العالم.

نظمت الرحلة تمارا للّي في سعي منها للتعبير عن موقف المغتربين السوريين الرافض للعدوان الممنهج على سورية، مشيرة إلى أنّ الوفد يضمّ أعضاء في «الجمعية السورية الثقافية» في الأرجنتين، وهم يزورون بلدهم الأمّ للمرة الأولى.

«البناء» التقت للّي وأعضاء الوفد الذين تكلموا عن انطباعهم بعد جولتهم في معظم المدن السورية التاريخية والسياحية مؤكدين على حتمية العودة، وأنّ الإرهاب الذي عانى ويعاني منه وطنهم الأمّ لن يثنيهم عن التمسك به أكثر وزيارته على الدوام.

للّي: نسعى لإبراز الصورة الحقيقية لسورية

تشير تمارا للّي منظمة الرحلة إلى أنّ الهدف من الزيارة هو نقل الصورة الحقيقية لسورية في مواجهة مزاعم الإعلام الغربي الذي يسيطر على العالم وينقل صورة مخيفة ومغايرة للواقع، فتقول: «هذا المشروع تبنّته «الجمعية السورية الثقافية» في الأرجنتين والتي ستكون مقراً لمنفذية الحزب السوري القومي الاجتماعي في الأرجنتين، وقد قرّرنا منذ العام الماضي أن نعمل على إبراز الصورة الحقيقية لسورية وليس ما يروّج له الإعلام الصهيوني المسيطر على العالم، ومن هنا سعينا أن نشكل وفداً لا يتأثر بهذا الإعلام ولديه الرغبة الفعلية في زيارة سورية، وكنا نظنّ أننا أوّل الوافدين من الأرجنتين إلى هنا ولكن حين وصلنا كانت المفاجأة بأننا أوّل وفد سياحي من العالم الغربي يزور سورية، وحين وصلنا إلى قلعة الحصن استقبلتنا المديرة المسؤولة هناك شخصياً وقالت: «أنتم أوّل وفد سياحي أتٍ من الخارج يزور الشام منذ سبع سنوات، ولذلك سوف أرافقكم في الجولة وأطلعكم على كل التفاصيل التي تريدونها»، وبالفعل لم نكن نتوقع ذلك على الإطلاق بحيث نكون أوّل من يكسر الحصار الإعلامي على سورية من خلال خطوتنا هذه والتي تأتي أيضاً في خانة الردّ على العدوان الأميركي الأخير ضدّ سورية».

وتضيف للّي في نفس الإطار: «هذه الزيارة هي تأكيد على التضامن مع سورية ضدّ ما تتعرّض له من إرهاب وعدوان، بالطبع أنا أزور سورية على الدوام ولكن باقي أعضاء الوفد يزورونها للمرة الأولى، في البداية كان هناك خوف لدى البعض خاصة حين تشتدّ أصوات القصف، ولكن حين ضربت «إسرائيل» اختلف الأمر حيث شعر كلّ فرد منهم أنه معنيّ وأنّ وجوده على هذه الأرض ليس عبثياً بل هو تأكيد على الانتماء والتصدي للعدوان، وأكثر من ذلك رفضوا النزول إلى الملاجئ وطلبوا الخروج إلى ساحة الأمويين في إطار التعبير عن موقفهم الرافض لأيّ اعتداء صهيوني على بلدهم».

الوفد زار العديد من المدن السورية، وتخبرنا للّي عن الجولة: «أستطيع الجزم بأنّ الأيام الستة التي قضاها الوفد في الشام كانت من أجمل الأيام بالنسبة لكلّ فردٍ منهم، قبل مجيئهم إلى الشام كانت الصورة التي في مخيّلتهم أنّ دمشق وباقي المدن السورية مدمّرة وأهاليهم مشرّدون والتقاتل يتحكّم بالساحات والشوارع، وهذا طبعاً جرّاء الخطاب الإعلامي الغربي والصهيوني، ولكنهم اكتشفوا العكس حيث أنّ المشهد في سورية يضجّ بالحياة والمحال التجارية والمطاعم مليئة بالناس، ومن هنا قرّروا جميعهم أن يكونوا عيون سورية في الخارج.

تتابع للّي: جولتنا كانت واسعة شملت معلولا التي لم يكن الدخول إليها سهلاً، ولكن بفضل مساعي المعنيين في الحزب القومي والرفقاء في نسور الزوبعة تمكنّا من زيارتها، كما زرنا صيدنايا وطرطوس ويبرود وحمص وصافيتا حيث التقينا بأقارب لأحد أعضاء الوفد هناك، والمؤسف أننا لم نتمكّن من زيارة حلب وتدمر وحماة. قد تحمل الجولة طابعاً سياحياً ولكنها لا تنفصل عن الواقع التاريخي والثقافي الذي نريد إيصاله للعالم سواء من خلال الصور الكثيرة التي قام كلّ فرد من المجموعة بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال الانطباعات التي سينقلها إلى الناس في الغرب والتي سيتحدّث فيها عن سورية الحضارة والصمود والتاريخ، ما نريد قوله إنّ سورية رغم الحرب الكونية التي فُرِضت عليها إلا أنّ الحياة فيها مستمرّة بشكل لافت وهذا ما سمعناه من أهلها وناسها الذين رفضوا مغاردتها وأختاروا الصمود إلى جانب قيادتهم وجيشهم وحققوا النصر».

سعادة: في سورية شعب حيّ ويليق به النصر

تؤكد سيلفانا سعادة من جهتها أنها شعرت بالأمان في سورية رغم أصوات القصف التي كانت تسمعها. وعن انطباعها قبيل الوصول إلى الشام وبعد انتهاء الزيارة تقول: «قبل أن أصل إلى سورية كان لديّ الكثير من الأفكار المتراكمة في مخيّلتي ولكن حين وطأت على هذه الأرض شعرت بالأمان، ورغم كلّ ما كنا نسمعه عن الحرب والدمار لم يسيطر عليّ الخوف إطلاقاً، وقد استفزني العدوان الصهيوني الأخير على سورية وكنت أريد الخروج إلى ساحة الأمويين للتعبير عن رفضي له».

تضيف سعادة: «كلّ الأخبار التي تصلنا عن سورية وشعبها مغلوطة وغير صحيحة، حين وصلنا إلى هنا شعرنا أنّ الشعب السوري يضمنّا بدل أن نضمّه نحن، وشعرنا بمدى ارتباطنا بهذه الأرض، وهذا الحبّ الذي لمسناه من المستحيل أن ننساه، السوريون عانوا الكثير من الصعوبات ولكنهم ذللوها والبسمة لا تفارق وجوههم وهذا فعل صمود حقيقي ودليل على أنّ الحياة تليق بهم. أحمل معي من سورية إلى الأرجنتين الكثير من الحنين الذي في قلوب هذا الشعب الذي يستحق النصر لأنه شعب حيّ وهو انتصر بالفعل وسيعيد بناء ما تهدّم، أنا أشعر أنني ابنة هذه الأرض ورغم الاغتراب يبقى انتمائي إلى بلاد الشام وسورية الكبرى وسأعود مع كلّ عائلتي إلى حيث ننتمي».

قصيري: سأعود مع كلّ عائلتي

تقول ميرتا قصيري إنها حققت الحلم الذي رافقها منذ الصغر من خلال زيارتها إلى سورية: «زيارتي هذه هي حلم حياتي لأنّ والديّ لم يتمكّنوا من العودة وهم هاجروا في وقت صعب جداً وقاموا بتأسيس عائلتهم في الأرجنتين ولكن قلوبهم كانت بين سورية ولبنان على الدوام، ذلك أنّ أبي سوري وأمي لبنانية. أنا فخورة بالشعب السوري الذي دافع بكلّ قوّته وكما نقول في الأرجنتين «بأظافره وأسنانه» لحماية الحرية التي لديه في مواجهة أطماع دول الاستعمار».

تضيف قصيري: «أنا رأيت أنّ الشعب في سورية يحب قيادته ومتمسك برئيس دولته الحرة، وهذا ما سأقوله للناس في الأرجنتين، الإعلام هناك يحاول تشويه الحقائق وينقل الصورة بشكل معاكس لما رأيناه، من جهتي سأقول لكلّ العالم إن الإرهاب الحقيقي يتمثل بالدول التي تسعى لاستعمار سورية ونهب ثرواتها، عدو سورية يجتاحها من الخارج وليس من داخلها ولا صحة للأخبار التي ينشرها الإعلام الغربي عن التقاتل الداخلي وتصوير الأمر وكأنه حرب أهلية. هنا في سورية شعرت بالأمان ولم يخيفني العدوان الإسرائيلي الأخير بل استفزّني كي أتمسك وبقوة أكبر بموقفي الداعم لموطني، وحين وصلت إلى قلعة جندل حملت علم سورية وعلم الأرجنتين ووقفت في أعلى قمة في القلعة ونظرت إلى السماء وخاطبت أبي قائلة «حلمك وهدفك تحقق أنا على أرض سورية»، واليوم نحن في بيروت التي نراها بطابعها الأوروبي نسبياً وما فيها من حياة ولكن هذه المدينة فيها شعب ناضل لتحرير أرضه وكان لي كلّ الشرف أن أتعرّف على أمّ الشهيدين نضال وخلدون الحسنية، وبالتالي تعرّفت أكثر على المسيرة النضالية لهذا الشعب في وجه الاحتلال والأطماع الاستعمارية، أنا فخورة بانتمائي السوري ـ اللبناني كما افتخاري بهويتي الأرجنتينية، ولكن اليوم أشعر أنّ سورية تحتاجني أكثر من أيّ وقت مضى ولذلك سأعود إليها مع كلّ عائلتي».

سليمان: سورية التاريخ والحضارة

سوسانا عباس سليمان تؤكد من ناحيتها أنّ زيارتها إلى سورية هي وفاء لوعد قطعته لوالدها، وعن جولتها وما حملته معها إلى بلاد الاغتراب، تقول: «النية في القدوم إلى سورية قديمة وهو وعد قطعته لوالدي ولكني لم أتمكّن قبل الآن لأسباب كثيرة، وخلال التحضيرات التي سبقت السفر كنت أشعر أنّ ابي يرافقني في كلّ خطوة ورغم أنّ الكثيرين نصحوني بإلغاء الفكرة لكني تمسّكت برغبتي القوية بالمجيء إلى سورية، وحين قطعت الحدود السورية شعرت أنني أفقد قوتي أمام عظمتها ولهفتي إليها».

تضيف سليمان: «في صافيتا بحثت عن أقارب لي وأنا لا أملك إلا صورة قديمة لأشخاص، وحين وجدتهم أخبروني أنهم كانوا يفكّرون بنا وبما آلت إليه أوضاعنا جراء غربتنا الطويلة، وقد شعرت بصدق محبّتهم واحتضانهم لي كفرد من العائلة ومعهم تعرّفت على كلّ الأماكن التي كان يخبرني عنها والدي، كما أنني زرت المنزل الذي كان يسكن فيه وأخذت «كمشة» تراب منه ووعدتهم بالعودة والعمل على إتقان اللغة العربية أيضاً. والدي كان يخبرني عن الجبل وينابيع الماء وقطعان الأغنام والمحبة التي يتسم بها الناس، وعن أقاربه الذين كانوا صغاراً واليوم كبروا وقد رأيت عيون أبي في عيونهم وسأحمل معي كلّ الحب الذي منحتني إياه سورية إلى العالم وسوف أخبر الجميع أنّ سورية التاريخ والحضارة تليق بها الحياة وستعود كما كانت وأجمل مما كانت».

غواغي: أهل الشام يعرفون من هو العدو

يظهر الحماس في ملامح عبده غواغي الذي يريد معرفة كلّ ما يجري في سورية ويقول: «أنا تاريخي مختلف، جدي ولد في يبرود ولكني لم أتعرّف عليه، والدي ولد في الأرجنتين، وأتيت إلى سورية لأعرف الحقيقة وللتأكد أنّ ما يروّجه الإعلام في الغرب يناقض الواقع. وفي الحقيقة رأيت طبيعة مختلفة عما كان في ذهني، حين نكون في الغرب نظنّ أنّ موطننا الأمّ عبارة عن صحراء قاحلة ولكن ما رأيته هو مدن تختزن الكثير من الحضارة ولو أنّ حجم الدمار هائل بسبب الحرب، ولكن هناك قوة كبيرة لدى السوريين لإعادة بناء ما تهدّم، بلاد الشام غنية بالآثار وطبيعتها خلابة وقد أرسلت لرفاقي الكثير من الصور. وأكثر شيء أحببته أنّ أهل الشام يعرفون من هو العدو والشعور الوطني حاضر بشكل واضح، وهذا كله يحثني على المجيء وأيضاً أريد أن أتعلم اللغة وقد أعيش هنا في النهاية».

سيتشرو: هدفي الكتابة عن تاريخ سورية

تعتبر أنابيل سيتشرو أنّ الانتماء لا يرتبط باللغة وحسب بل هو أعمق من ذلك، وتقول: «رغم ما تقولونه عن ضرورة إتقان اللغة العربية لكني أعتبر أنّ الإنتماء للوطن لا يرتبط باللغة، من جهتي أشعر أنني سورية مئة بالمئة وهي ليست زيارتي الأولى لكني أتيت اليوم بفكرة مختلفة وهي أن أتعرّف على الحياة هنا والمجتمع، دراستي في الأرجنتين حول المجتمع السوري، أنا لم أنتم إلى الحزب القومي بعد لأنني أريد أن أقرأ أكثر وأتعرّف أكثر، ولكني أحببت الحزب من الرفقاء الذين التقيتهم وأخبروني عنه، أنا ناشطة في حزب أرجنتيني قريب جداً للحزب القومي. لديّ هدفان الأوّل أكاديمي ومن خلاله سأكتب وأنشر عن سورية وتاريخها، والثاني التحرك ضمن المجتمع الشاب في الأرجنتين بحيث سآخذ معي كلّ ما اكتسبته من موطني الأمّ وأحوّله إلى نشاط فاعل.

وتختم سيتشرو: «كلّ الإعلام الذي يصل إلى الأرجنتين هو إعلام أميركي وصهيوني، ومن هنا يجب أن أواجهه وأخبر رفاقي والشبيبة في الأرجنتين عن أقرانهم هنا، وأمنيتي أن أحصل على الجنسية السورية بشكل قانوني وسريع وقريباً سأنتمي إلى الحزب القومي، ونحن نفتخر أنّ البنك الدولي لم ولن يتمكن من السيطرة على سورية».

اضف رد