لِنَحُمِ أيقوتنا بيروت.. والثقة بوزير الثقافة

هاني سليمان الحلبي

بيروت، تعدّدت تفسيرات تسميتها. منهما تفسيران، نسبة إلى الآبار، والثاني نسبة لإلهة الآبار بيريت. وعراقة التسمية وقدمها دلالة على تاريخية الحاضرة الشرقية الأهم لبحر أمورو الذي غدا لاحقاً البحر الأبيض المتوسط، متوسطاً قارات العالم القديم الثلاث.

ولعل أبرز وأجلّ عهد بيروتي، كان خلال الحكم الروماني حتى برزت عبقرية السوريين بجلاء تضاهي الأمم قاطبة، في الفلسفة، وفي العمارة وفي القانون…، فكانت بعلبك وكانت مدرسة بيروت الحقوقية، وأبرز أساتذتها المسكونيين ثلاثة، دروتاوس وأولبيانوس وباولوس.. هذه المدرسة التي دمّرها زلزل عام 555 م. فبقيت منها بضعة أعمدة تدلّ على عظمتها ورقي عمارتها وبراعة هندستها، وأعمدة مستديرة المتحف شاهدة على أيقونة جامعات الحقوق الأعرق في العالم. في بيروت وضع قانون يوستنيانوس الذي كان أساس القانون الإنساني الدولي وسُمّي حينذاك بقانون الشعوب.

وعندما تكون بيروتنا أيقونة تراثية ومعمارية وهندسية جليلة، نحتت الطبيعة روشتها المزدوجة الدهشة، ونحتت أزاميل فنانيها أيقوناتها عمارات وقصوراً وجامعات وأوابد، تضعنا امام مسؤولية التاريخ ووجدان الأمة. وحفظ الذاكرة واجب قومي.

وفي لبنان حكومات منذ قيام لبنان الكبير، ما شاء الله، كان دأبها محو هذا التاريخ قدوة بالسيئ الذكر الفرعون المصري رعمسيس الثاني الذي ظنّ أنه يبني أمجاده بمحو كل ذكر لسابقيه، فشوّش علماء الآثار والهلك لفترة ما لبث ان انقلب سحر المسحور على الساحر. وبخاصة الحكومات ما بعد الحرب الأهلية، تلك التي طغت عليها استراتيجية التدمير بعقلية المقاول في مرحلة الحريرية السياسية، فتغولت الحفارات والجرافات لتكتسح كل جمال عندنا حتى كادت تتصحّر.

استدرك بعض المتنورين من الوزراء والنواب منذ بضعة عقود ضرورة حفظ الأوابد والبيوت التراثية بوصفها معالم ذاكرة ووجدان شعب وتراث وطن، بتشريع قانون يحميها. ولكن أي قانون لا يكفي إقراره حكومياً ونيابياً ونشره في الجريدة الرسمية لتتوفر حماية الأبنية التراثية والأوابد التاريخية. ما يلزم القانون جهاز تنفيذ مهيب وغير مخترق بالرشى والفساد يتمثل في مؤسسات مجتمع مدني تتحرك ووزارة ثقافة تبادر وتطالب الأجهزة الأمنية لتمنع الهدم، والمحاكم لتصدر أحكاماً قضائية وقرارات المنع والحماية.

كثيراً ما قصّرت وزارة الثقافة في مضمارها، وبخاصة في عهود حكومية سلفت.

لكن في عهد وزير الثقافة «الدينامو» محمد داوود، لدينا ثقة وطيدة بأن تتحول وزارة سيادية بمستوى حراكها ودينامية دورها وقيامها بواجباتها الوطنية نحو الأوابد والمعالم والمثقفين وبتشجيع ودعم المبدعين في كل ميدان.

وأمس، تمّ هدم مبنى أثري في حي الأشرفية العريق من بيروتنا، تمكن مالكه من التحايل على الأنظمة واغتيال القانون والالتفاف على تدابير الوزارة العتيدة، مستبقاً استكمال معاملات المنع.

يذكّرني «معاليه» الشاب ببيت شعر لفيلسوف الشعراء أبي العلاء المعري، المنسوف رأس نصبه في معرة النعمان، وهو:

إن الشبيبة نار إن أردت أمراً بها فبادرها إن الدهر مطفئها.

عضو اتّحاد الكتاب اللبنانيين.

اضف رد