الامين حنّا كسواني… النائب لولا احداث المالكي

كنتُ سمعتُ عن الأمين حنا كسواني في الأشهر الأولى من بدء ما سُميَ عام 1957 بالإنتفاضة، التي انتهت إلى حصول انشقاق في الحزب ونشوء تنظيم حزبي مستقل عنوانه في حينه «تنظيم عبد المسيح». كان الأمين حنّا كسواني من بين الأمناء الذين شاركوا في «الانتفاضة». التقيتُ به دون أن أتعرف إليه أو ارتبط معه بصداقة أو علاقة حزبية، سوى ما كنتُ اسمع عن دماثتهِ وطيبتهِ وصدقِ التزامه.

إلّا إني وقد حاولت أن اكتب عنه ما يفيد سيرته ومسيرته، لم أجد في أدبيات الحزب ما يجعلني استندْ إلى معلومات أو كتابات.

لذا اكتفي بنشر التالي:

في الصفحة 122 من مؤلفه «محطات قومية» يورد الرفيق جميل مخلوف اسماء الرفقاء في الشام الذين مثلوا الحزب في البرلمان، وهم:

الامين عصام المحايري: عن دمشق

الامين بديع اسماعيل 1 : طرطوس.

الرفيق زكي نظام الدين 2 : عن محافظة الجزيرة .

الامين حنا كسواني: عن منطقة «داريا»، الغوطة.

عن ترشح الامين كسواني وفوزه، ننقل ما جاء في مذكرات كل من الامين السابق جميل مخلوف «محطات قومية» والرفيق اياد موصللي «انطون سعاده ماذا فعلت ؟»

ورد في الصفحات 119-224 من «محطات قومية»:

«عادت الحياة البرلمانية الى البلاد، بعد انقضاء عهد الشيشكلي، ودعي لانتخابات وكان مرشح الحزب فيها الرفيق المحامي حنا كسواني.

«كان الرفيق كسواني رفيقاً ملتزماً وكان أهلاً لتحمل مسؤولية النيابة وقادراً ان يمثل الحزب في البرلمان، وكان خصمه في الترشيح العقيد المتقاعد بهيج كلاس، وكان هذا المرشح أخاً للوزير خليل كلاس، من أركان الحزب الاشتراكي الذي ألفه بعد حزب الشباب المقتصر على شباب مدينة حماه. وكان الحوراني اكرم وكلاس عضوين سابقين في الحزب السوري القومي الاجتماعي، الحوراني منفذ للحزب في حماه، وخليل الكلاس عضو في هيئة المنفذية فيها.

«وضعت السلطات كل ثقلها في تلك المعركة فمرشحها أخ لوزير من وزراء الحوراني، ووضع الحزب كل إمكاناته في تلك المعركة التي اشتد اوارها بين القوتين: قوة السلطة ومرشحها بهيج كلاس، وقوة الحزب السوري القومي الاجتماعي الشعبية.

«كان لالتفاف بلدة «داريا» وهي إحدى كبريات بلدات محافظة لواء دمشق بشقي إسلامها المسيحي والمحمدي، حول ترشيح كسواني أثر كبير في نتيجة تلك المعركة. وكان الرفقاء في دمشق وعلى رأسهم رفقاء جامعة دمشق بقيادة منفذهم العام الرفيق حسن مخلوف أثر بارز في سير تلك المعركة والفوز بها.

«وكانت النتيجة ان فاز الرفيق حنا كسواني وأصبح عضواً في البرلمان ولكنه لم يمارس عضويته تلك إذ بعد ان صدقت لجنة الطعون نيابته حدث اغتيال العقيد عدنان المالكي «.

ويروي الرفيق اياد موصللي في الصفحات 222-224 من كتابه «سعاده ماذا فعلت؟» التالي:

«المعارك الانتخابية كانت عنيفة واجه فيها الحزب تجمع أحزاب الشيوعي، الاخوان المسلمين، البعث، الناصريين والاشتراكيين… وتحركت ادوات السلطة وأجهزتها. تمكن هذا الحلف من اسقاط معظم المرشحين، وحصلت تعديات جسدية وتحطيم صناديق وسرقة أخرى حيث كانت تظهر اشارات لتقدم المرشحين القوميين… وأدت هذه الاعمال ضد القوميين الى سقوط معظم المرشحين، وهم بدمشق عصام محايري، عبدالله محسن، زهير سحلول في حمص، نوري الخالدي، عمر ابو زلام في حلب، صالح عبود «دير الزور»، أما في داريا بريف دمشق فقد اخذت المعركة طابعاً خاصاً فمرشح الحزب هناك حنا كسواني هو ابن البلدة، والده كاهن القرية، وخصمه بهيج الكلاس، ضابط متقاعد من مدينة حماة، شقيقه المحامي خليل كلاس العضو البارز في جماعة أكرم الحوراني.

«جرت الانتخابات وفاز الرفيق حنا ضد مرشح الجيش والمكتب الثاني بهيج كلاس فلم تعجب هذه النتيجة السلطة فقررت عبر «لجنة الطعون» إعادة إجراء الانتخابات في داريا تحت ذريعة وهمية… وجرت إعادة المعركة بين المرشح القومي ومرشح تحالف السلطة أي بين المرشحَين حنا كسواني وبهيج كلاس المقدم المتقاعد في الجيش. خاض الحزب معركة الاعادة بقوة، وحشَد كلاس انصاره مدعومين ببطش السلطة. أثناء التصويت برز بشكل واضح تقدم الرفيق حنا، فاستحضر انصار بهيج جنوداً بثياب مدنية، غرباء عن المنطقة، فاستاء أهالي داريا ومنطقتها وحصلت صدامات عنيفة سقط خلالها جرحى واتخذتها السلطة حجة فأصدرت أمراً بمنع التجول في المدينة وتأجيل الانتخابات لليوم الثاني. قررت القيادة الحزبية تأمين حراسة مركز الاقتراع فاختارتني مندوباً أنا وسهيل مسابكي وفرانسوا دياب واستلمنا وكالة «مندوب عن المرشح» وتوجهنا بسيارة حنا كسواني الى «داريا» لاستلام مركزنا، ولدى وصولنا الى البلدة وقرب المركز الانتخابي لم يكن في الشارع أي انسان.

«التجول ممنوع انما الناس كانت كلها على الاسطح وفي الطرقات الفرعية فيما سُمح لأنصار الكلاس بالتجمهر.. لدى وصولنا نحو المركز اعترضنا ضابط درك ومعه بعض الجنود وأشار بالتوقف، وقف الرفيق حنا وفتح باب السيارة وتقدم

يعرّف نفسه للضابط إنه المرشح ومعه الوكلاء، فأشار له الضابط بيده ان يرجع، ووضع قدمه على رفراف السيارة، تطوّر النقاش فإذا بالضابط يدفع المرشح بيده ويصفعه. كنت اركب في المقعد الامامي فنزلت فوراً وهجمتُ على الضابط وصفعته، فوقعت قبعته، عندها أمسك جعبة مسدسه يريد إخراجه: أمسكت به وجرى عراك نزعتُ خلاله النجوم من على كتفه وتراكض الجند وكذلك الرفيقان سهيل وفرانسوا، وما هي إلا ثوان حتى هبط الأهلون من أسطح منازلهم وتجمهروا هاتفين بحياة حنا، وحملني الناس على اكتافهم وبدأنا نهتف، وهجمنا على القوة ولا سيما على اولئك الغرباء… وبدأ رجال الامن اطلاق الرصاص للارهاب، وتفرّقنا فدخلتُ بناءً تبيّن فيما بعد انه مركز مدير الناحية. كنت في الحديقة مع آخرين فارّين من الجند قرب أحد النوافذ عندما سمعت مدير الناحية يتصل هاتفياً ويقول: سيدي، القوميون يهاجمون رجال الدرك وهنالك اطلاق نار نريد اوامركم، اسمع سيدي، اسمع، وأشار لضابط أمامه فأخرج مسدسه وأطلق من النافذة، فأصدر وزير الداخلية أمراً باستخدام القوة، وجاءت قوات عسكرية كثيفة وحوصرنا ثم قُبض علينا، وأودعنا مركز التوقيف وكان عددنا يتجاوز الثلاثين…

«صار الليل فبدأنا نضرب الباب الخشبي بشدة فانكسر وسقط، فجاء رجال الدرك وهددونا بالسلاح، ثم احضروا شاحنات ونقلونا الى سجن «القلعة» في دمشق… وعرفنا بعد توقيفنا ان الضابط من آل يازجي من مرمريتا، وهذه العائلة بأكملها تقريباً قوميين…

«اثناء منع التجول اراد الحزب ايصال منشورات لتوزع على الأهلين تفضح المحاولات الحكومية، ولكن ما من وسيلة لتحقيق ذلك. هنا خرج الرفيق دريد لحام وكان طالباً في الجامعة السورية، بفكرة عبقرية: استحضر حاوية ليبيع الاسكيمو ماركة «دامر»، من محلات بيع البوظة الشهيرة في دمشق… ووضع على رأسه لباس الباعة وركب دراجة واضعاً المنشورات اسفل الحاوية، وفوقها قطع المثلجات «اسكيمو»، وتوجه لداريا يجوب شوارعها يقرع جرساً صغيراً وينادي، دامر، اسكيمو، دامر… وعندما يصل الى حيث الأهالي متجمهرين في الزواريب يعطيهم المنشورات ويتولوا هم توزيعها مع القوميين، واحتارت السلطة كيف وصلت هذه المنشورات وجميع الطرق مقفلة وممنوع المرور عليها…

نبذة عن حياته ونضاله 3

ولد في «داريا» في الغوطة الغربية عام 1926

درس المرحلة الابتدائية في المدرسة الاهلية بداريا، ساعده الاستاذ الياس مشاطي بالانتساب الى مدرسة «الاسيّة» بدمشق، ونظرا لتفوقه وذكائه تجاوز الصفوف في مدرسة «الاسيّة» 4 .

انتسب الى الحزب بمدرسة «الاسيّة» وكان عمره 15 عاماً، اي في العام 1941.

حاز على الشهادة الثانوية في العام 1941

التحق بكلية الحقوق. الى جانب دراسته الجامعية كان يدرّس في مدرسة «الاسيّة» معتمدا على نفسه لتأمين مصروفه حيث كان ينحدر من عائلة فقيرة

تخرج من كلية الحقوق عام 1949

عمل في المحاماة، وكان مدافعاً عن المظلومين بشكل اساسي ويتوكل عن اعضاء الحزب دون مقابل الى جانب انه لم يقبل التوكل في اية قضية اخصامها من مدينة داريا بل كان يقوم بدور المصالح بين الطرفين

في عام 1954 تمّ ترشيحه من قبل الحزب الى البرلمان نائباً عن الغوطة الغربية وكان عمره آنذاك 28 عاماً لذلك تم تغيير تاريخ ميلاده الى عام 1923 وذلك ليصبح عمره 31 ليحق له الترشح، كل ذلك حرصا من الحزب لترشيحه لما تميّز به من موهبة قيادية وتفان منقطع النظير في سبيل القضية السوريةالقومية وانتمائه الحقيقي للطبقة الاجتماعية السورية التي تمثل الفئة العامة من المواطنين .

وكان لوقوف اهل «داريا» في الغوطة الغربية خصوصاً ومعظم بلدات الغوطة الغربية عموماً الفضل الاعظم في تفوق الامين حنا الكسواني على اشد منافسيه المدعومين من قبل السلطات الامنية آنذاك، السيد بهاء كلاس. وبالرغم من كل الممارسات اللامشروعة وإعادة الانتخابات تمكنت الجماهير العريضة التي يمثلها حنا الكسواني من قول كلمتها في الغوطة الغربية والفوز بمقعد البرلمان في الغوطتين الغربية والشرقية واصبح يومها نائباً في البرلمان عن الحزب رغم كل الممارسات التي قامت بها الاستخبارات حينها نظراً للعداء المنصوب للحزب السوري القومي الاجتماعي لمنعه من الانتشار وذلك بتوجيهات خارجية خلفها الصهاينة خوفاً من مبادىء السوريين القوميين الاجتماعيين.

في لبنان غيّر اسمه الى نجيب حداد وتابع نضاله السياسي وكلّف بمنصب عمدة الاذاعة الى جانب تكليفه بعدة مهام اخرى.

لم يقبل ان يقوم الحزب بإعالته بل اعتمد على نفسه وعمل اعمالاً كثيرة منها الدهان والبلاط قبل ان يعمل كمدرس للمواد التي يجيد تدريسها، وخلال سبع سنوات امضاها في لبنان كان ينام بغرفة مستأجرة تحت درج احدى البنايات تتسع لسرير منامة، ومساءً كان يذهب الى مكتبه في مبنى الحزب ليمارس عمله السياسي.

تعب من الغربة واحب العودة الى سوريا التي لم تغب عن فكره وقلبه لحظة لذلك قام بتوكيل محام وساعده في تعديل حكم الاعدام الذي صدر بحقه في دمشق على خلفية اغتيال عدنان المالكي الى السجن لمدة ثلاث سنوات وعاد الى سوريا عن طريق «جديدة يابوس» وكان في استقباله فصيل طويل عريض من الدرك والقوات والمسلحة والمظاهر العسكرية والارتباك والاهتمام في آن معاً.

وعندما ظهر الامين حنا على الحدود السورية يرافقه اثنان من الامن اللبناني وهو الشاب النحيل ذو الوجه السمح والابتسامة الواثقة وعيناه اللتان تشعان بالامل ومحبة الارض التي يعشقها وكأنه كان يهزأ بمثل هذه المظاهر التي امامه وهذه القوات التي قدمت لاستلامه وعندما سأل الضابط السوري المكلف بالعملية «وين حنا الكسواني ؟» فقالوا له: هذا الذي في الوسط، فقال منشان هالرجل الظريف المسالم قيّموا الدنيا ! والله انا لوحدي كان بيكفي انو جيبو من الحدود وبدون هالمظاهر

وبعد ذلك وبكل احترام تمت مرافقته وبقيت يداه محررتين ولم يوجه له اية كلمة نابية لانه استطاع فرض احترامه على الجميع.

في سورية بقي سجيناً ما يقارب الثلاث سنوات وعمل اثناءها بتعبية الخرز وصناعة الميداليات ليوفر مصروفه داخل السجن وتعرّف في السجن على الامين جميل مخلوف 5 ابو بديع وهو من المناضلين الحزبيين الاوائل.

خرج من السجن الى مهنة المحاماة واستأجر مكتباً جديداً بدلاً من مكتبه القديم الذي تمّ الاعتداء عليه واشترى سيارة متواضعة بدلاً من سيارته التي صودرت وأتلفت. كان محامياً عن الرفقاء السوريين القوميين الاجتماعيين دون مقابل فضلاً عن مصاريف الدعوى التي كان يدفعها من نفسه

تزوج عام 1965 من فتاة متعلمة في دير الراهبات وتنحدر من اسرة مثقفة حيث كان والدها مديراً لعدة مدارس ويترجم الكثير من الكتب الى العربية.

زوجته جوزفين العيسى اهتمت بالبيت والاولاد الذين انجبتهم لترفد الامة السورية بخمس بنات سهرت عليهن وعلى تعليمهن برعاية الامين حنا الذي انشغل خارج البيت بالعمل كمحامي وبالنشاط السري في الحزب لسنوات طويلة، لذلك كانت السيدة جوزفين اهلاً لان تهتم بالفتيات وتعلّمهن وتربيهن التربية السورية والمناقبية الاجتماعية وحصلن على علوم وهنّ يقطنّ في داريا حيث كان عدد الشهاجات الجامعية حينئذ قليل جدا:

منى: اجازة في الحقوق

مريم اجازة في الهندسة

مها: اجازة في الطب البشري

جورية: دبلوم في التاريخ

مي: اجازة في اللغة الانكليزية

توفي الاستاذ حنا الكسواني عام 1997 وكان مأتمه عرس وطني للحشود التي شاركت في تأبينه من كل سورية عامة وحضر رفقاؤه من لبنان واعلنت وفاته في الكنائس حتى مآذن الجوامع في داريا اذاعت عن وفاته واطلقت المدافع عدّة طلقات في حفل تأبينه.

شغل خلال فترة نضاله السياسي الممتد بين عامي 1941-1997 المسؤوليات والمناصب في الحزب ما عدا منصب رئيس الحزب.

كان مسؤولاًعن النضال السري في الشام لمدة عشرين عاماً

عاصر الزعيم انطون سعادة مدة قصيرة وكان يافعاً حينها ومبتدئاً في النضال السياسي.

يعتبر الامين حنا كسواني من الاوائل الذين برّوا بقسمهم وبقوا ثابتين حتى آخر لحظة وحافظوا على الحزب ومبادئه.

رفض التزلف للسلطة على مدى سنين حياته رغم العروض الكثيرة التي قُدمت له.

نأمل من كل رفيق يملك ما يبديه من ملاحظات او يضيفه من معلومات،

ان يكتب الى لجنة تاريخ الحزب

هوامش:

1 – بديع اسماعيل: مراجعة النبذة المعممة عنه في قسم «من تاريخنا» على موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية www.ssnp.info

2 – زكي نظام الدين: تولى مسؤوليات في منطقة الجزيرة وتسلم مسؤولية ناموس عمدة الداخلية ووضع نفسه وسيارته بتصرف زعيم الحزب خلال جولته في منفذيات الكيان الشامي. يصح ان نكتب عنه.

3 – اشكر الرفيق الصديق فؤاد جورج جورج لمساهمته القيّمة بتأمين المعلومات المفيدة عن الامين حنا كسواني.

4 – ننقل العبارة «الاسيّة» كما وردت في الوثائق. ان كان احداً من الرفقاء يملك ما يصحح / يضيف / يوضح، نأمل ان يكتب إلينا.

5 – جميل مخلوف: مراجعة النبذة المعممة عنه على الموقع المذكور آنفاً.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى