صراع لبنانيّ برعاية خارجية بين مصالح الدولة وأمان الناس

د. وفيق إبراهيم

الدولة في لبنان فقط هي النظام الحاكم وطبقته السياسية، وليست التعبير عن الاتفاق بين الجغرافيا التاريخية وتعبيراتها السياسية والوطنية والرمزية.

ضمن هذا الإطار يبدو الوطن ومعه الدولة في خدمة النظام السياسي الطائفي. قد يتغيّر سياسيون ويأتي آخرون لكنهم من الطينة المذهبية الطائفية نفسها. فيحدث الاندماج الكبير بين قادة الطوائف والدولة، فارضاً على الناس العمل في خدمة هذه المعادلة المدعومة من الدين والإقليم والخارج. إلا أن ما اصاب هذه المعادلة باهتزاز خطير هو اندلاع صراعات بين قوى الاقليم الراعية للبنان استتبع ولادة تناقضات وتباينات قوية بين المحاور الطائفية اللبنانية التي انقسمت حسب ارتباطاتها الإقليمية. فالصراع الأميركي الإيراني والسوري السعودي والدوران الفرنسي والروسي الصاعدان، انعكسوا على شكل خلافات عميقة بين القوى اللبنانية، ما أدّى الى تعطل نسبي في الإدارة الطائفية للبلاد.

كان بالإمكان معالجة الوضع لو اقتصر على هذا الحدّ.

لكنه ارتبط بوقف كامل للمساعدات الاقليمية والدولية التي كانت تموّل سيطرة قوى الطوائف على جمهورها كما تقاطع مع انحسار اكبر في تحويلات المغتربين والعمالة في الخارج، بالإضافة الى ظهور معوقات خارجية أصبحت تكبح إمكانية الدين من الخارج كما كان يحدث سابقاً بتلك السهولة الغريبة المشبوهة.

بالمحصلة هناك مصادر تمويل متوقفة وحركة تصدير واستيراد منحسرة بشكل درامتيكي وحدود لا نستعملها اقتصادياً، ما أدّى الى إقفال خطير للشركات ومواقع الإنتاج وصرف عمال وموظفين. يكفي انّ رئيس الوزراء سعد الحريري الذي ينتمي الى عائلة سياسية ثرية جداً تموّلها السعودية تجد نفسها مضطرة الى إقفال إذاعة المستقبل الناطقة بسياساتها وتلاها إقفال تلفزيون المستقبل وهذا خطير في بلد كلبنان يلعب فيه الإعلام دور المروّج لسياسات المموّلين، لكنه ينحصر عادة بالقوى التي تمتلك مشاريع للسيطرة على لبنان بكامله انطلاقاً من قوتها في طوائفها الأساسية.

هناك محطات تلفزة أخرى قلصت برامجها الى مجرد استمرار شكلي للزوم متابعة أخبار اصحابها السياسيين وزوجاتهم بالحد الأدنى، ونشاطات قواهم الحزبية.

هناك اذاً انسداد في الحد الأدنى الاقتصادي الذي كان يوفر الحد الادنى من أمان الناس ضمن أعمال ضعيفة، لكنها تمنع الجوع، فأصبحت البلاد من دون أمان وظيفي وكهرباء ومياه والنفايات منتشرة عند ابواب المنازل وابواب الهجرة مقفلة واسعار المواد الغذائية بدأت ترتفع وسط عجز المجتمع عن الدفاع عن نفسه.

في المقابل سارعت الطبقة الحاكمة للدفاع عن امتيازاتها فلم تتراجع عن السيطرة على الأملاك البحرية والبرية فرفعت قيمة استئجارها بنسب تافهة جداً لاستيعاب الغضب الاجتماعي، وتابعت فسادها داخل المؤسسات بالتعيينات والصفقات ولا تزال تمسك بالجمارك والمرافئ والمطارات، إلا أنها لم تكتف بهذه الامور التي تعتبرها جزءاً من حقها التاريخي، فذهبت نحو السماح للبنك المركزي بتحديد حركة استعمال الدولار لمنع صعود اسعار الليرة ما ادى الى وجود سعرين لليرة: رسمي لا يصرف الدولار إلا ب 1500 ليرة وحقيقي من نتاج العرض والطلب في الاسواق يتجاوز 1600 ليرة. فارتفعت اسعار السلع والبضائع التي اصبحت تتعامل بالسعر الشعبي للدولار وهذا استتبع على الفور انقطاعاً لمادة الوقود من محطات البنزين لأن مستورديه يشترون الدولار بـ 600 ليرة، فيما الأسعار منسقة على 1500 ليرة، ولما طالبوا الدولة بتمويلهم بالدولار الرسمي، امتنع المصرف المركزي مُتسبباً بإضراب المحطات وهذا ما يجري على مستوى معظم قطاعات الاستيراد والتصدير في البلاد، ما كشف عن وجود خطة للنظام السياسي الاقتصادي يعتبر فيها ان الاحيتاطات المالية للدولة في المصرف المركزي هي مصدر إمان للطبقة السياسية ولا يجوز استخدامها في معالجة الضائقة الاقتصادية التي يمر بها لبنان حالياً.

هذا هو مفهوم أمن الدولة المصطلح اللغوي الذي يُخفي مصالح النظام الطائفي. وهذا لا يعمل من اجل امان الناس بل لصالح استمراره الذي يتطلب امتزاج قوته في الطوائف بالاحتياطات المالية وتأييد الاقليم والجانب الدولي.

وهذا النظام الطائفي لا يتجرأ على عرض سياساته المالية بشكل علني فيكلف أجهزته الاقتصادية اطلاق تصريحات تزعم ان الدولار موجود في الاسواق بشكل طبيعي، واسعار البضائع مستقرة، وليس هناك تدهور اقتصادي ملموس، فيما العكس هو الصحيح.

هناك إذاً صراع بين دولة لا تعمل الا من اجل امنها، وبين امان الناس المفقود والمتدهور. ولعل الرئيس ميشال عون اصاب عندما طالب الامم المتحدة في خطابه الأخير من منبرها بضرورة رعاية العودة الآمنة للنازحين السوريين الى بلادهم ملوّحاً بإمكانية عقد قمة له مع الرئيس السوري بشار الأسد لإعادة النازحين من جهة، وإعادة العلاقات الاقتصادية المزدهرة بين البلدين الى سابق عهدها، فالرئيس يعلم انّ قسماً هاماً من أمان اللبنانيين في المراحل السابقة كان يأتي من الاستخدام الاقتصادي للحدود اللبنانية السورية حتى الأردن والعراق والخليج ويعرف أيضاً انّ ازدهار السياحة على علاقة أيضاً بهذه الحدود. وهذه أمور تحتاج الى ترميم المتصدّع من علاقات لبنان مع سورية والتحلي بحيادية في الصراعات الإقليمية لا تسمح لبلد كلبنان من الاحتفال باليوم الوطني السعودي مرة من المتحف الوطني اللبناني الرسمي، وثانية في قصر الأمير أمين في بيت الدين التابع أيضاً للدولة اللبنانية، وكان من الأولى لو احتفل لبنان في متحفه وفي واحد من قصوره بالقضاء على الإرهاب في سورية ولبنان.

فهل ينفجر الصراع بين أمن الدولة و أمان الناس منتقلاً الى الشارع؟ هذه هي النهاية الطبيعية لمثل هذه الصراعات. فالجوع ينفجر في نهاية المطاف متجاوزاً نصائح رجال الدين والاصطفافات الإقليمية والقمع والنصائح الأميركية ووعود السعودية، متحوّلاً أداة منشودة لتدمير نظام طائفي لم يعد لديه ايّ شيء لا للبنان ولا للبنانيين من مختلف الطوائف والمناطق والانتماءات.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق