Latest News

الحراك الشعبي في لبنان: ازدياد المخاطر وضرورات الإسراع بالحلّ

العميد د. أمين محمد حطيط

مهما كان توصيف الحراك الشعبي القائم في لبنان فمن الضروري ان نؤكد انّ هذا الحراك جاء صرخة مظلومين جائعين عاطلين عن العمل يعانون من ظلم السلطة وفساد معظم من تولاها، حيث نهب المال العام وتضاءلت فرص العمل وجاع الناس وانعدمت الخدمات العامة في الحدّ الأدنى، في حين اغتنى بضع عشرات أو قلة من مئات الأشخاص وكنزوا المال ووضعوا اليد على الدولة ومرافقها ومهما عددت من جرائم هؤلاء فإنك لا تحصيها.

كان من المؤكد ان يفجر الإجرام السلطوي غير المحدود هذه الصرخة الشعبية التي تعدّدت تسميتها من ثورة الى تحرك او حراك مروراً بالانتفاضة والاحتجاج الشعبي وما اليه. كان طبيعياً ان يحدث هذا الانفجار والا عدّ الشعب جثة لا روح فيها، وبالتالي انّ أيّ نقاش حول مبرر هذا الحراك وشرعيته يكون خارج المجال المسموح البحث فيه، وإلا اعتبر مجرد النقاش نوعاً من الضرر المعنوي والألم النفسي نتيجة المسّ بالمشاعر الصادقة المحقة وبالغضب المقدس لشعب عانى من نهب حقوقه وماله وتهجير أبنائه واستباحة دولته من قبل بضع عشرات من الأشخاص تولوا السلطة منذ عقود ثلاثة وأمعنوا في البلاد والعباد فساداً ونهباً.

حدث الانفجار الشعبي اذن كردة فعل طبيعية على جرائم غير محدودة في مفاعيلها، ووضع البلاد أمام مفترق طرق بعضها يقود الى إيجابية وتخليص الوطن والبعض الآخر يقود الى الهلاك والتدمير، وقبل ان نبحث في الحلّ عن طريق او آخر مما يقود إليه نتوقف عند مسالك الخطر التي ينبغي تجنّبها والحذر منها حتى لا تنقلب الأمور ضدّ أصحابها ونحصد همّاً وغمّاً وألماً في الوقت الذي يكون القصد الخروج من ذلك. اذن نحن أمام محظورات ينبغي تجنّبها ومطلوبات ينبغي ملاحقتها، ولكلّ شيء مما ذكر أساليبه فما هي؟

نبدأ بالمحظورات ونقف عند عدة مخاطر رئيسية وكلها بداأت تذرّ بقرنها وتلوح في الأفق غيومها الداكنة السوداء، التي إذا ما بدأت أمطار سوئها تتساقط فإنّ أحداً لن يمنع سيلها من ان يجرف ما تبقى من هذا الوطن كليا او جزئياً وفي هذا الإطار نحذر من:

1 ـ التشتت والتفرّق… انّ أجمل ما في هذا الحراك هو صورته الوطنية البهية التي تخطت الطائفية والمناطقية والفئوية التي حوصر الشعب اللبناني بها من قبل امراء الطوائف وصنعوا بها حواجز وسدود تمنع لقاء المواطنين من أجل ان تبقى الطائفة والمنطقة قطيعاً بيد الزعيم يحرسها من أوْكله بأن يمنع أحداً الخروج عن الطاعة وإلا كان مخذولاً مرذولاً في طائفته ممنوعاً من عمل او من ممارسة حق. ولهذا يجب ان يحفظ الحراك وجهه لا بل طبيعته الوطنية بعد ان تأكد الشعب انّ الفقر والحاجة وحّدت الجميع وأسقطت الحدود. ومن أجل وحدة الكلمة ينبغي التركيز على المطالب والحقوق وتجنّب الاستفزاز والشتيمة والسباب فلنبحث عما يجمعنا مع الآخر ونحاذر المسّ بمشاعره وشؤونه الشخصية. فالساعة ساعة مطالبة بحقوق وليست ساحة مبارزة بشتائم لا تقدّم ولا تؤخر. وليكن مؤكداً انّ تعاظم الحجم الشعبي المنتفض الثائر يقصّر المسافة للوصول الى الأهداف والعكس هوالصحيح.

2 ـ الانحراف عن الأهداف… لقد حدث الانفجار الشعبي لسبب مباشر محدّد هو سبب معيشي مالي تمثل بنية فرض رسم على مكالمة «الواتس أب» ثم توسع ليشمل مطالب معيشية واصلاحاً مالياً نقدياً ومحاربة الفساد واستعادة أموال منهوبة… وهي أهداف أجمع المنتفضون عليها وتبارى الكلّ في التمسك بها من غير أيّ تنسيق ولقاء سابق، لا بل توحد الشعب من الشمال الى الجنوب ومن البحر الى الداخل مطالباً بها. لأنها مطالب محقة تستحق ان يثور الشعب من اجلها. لكن ما يثير الخوف الان هو محاولة قلة قليلة ذات ارتباطات خارجية، محاولتها ان تزجّ في هذه المطالب مسائل ليست محلّ إجماع الآخرين ما يؤدّي الى حجب المطالب الأساسية وإثارة النزاع والفوضى في الحراك ونكتفي بالإشارة دون تفصيل وشرح الآن.

3 ـ وضع اليد الخارجية على الحراك… وهذا أخطر ما يخشى على صعيد الحراك ذاته والوطن ومستقبله كله. وانّ تجربة دول عربية سبقتنا الى هذه المنزلقات لا تزال قائمة على أرض الواقع أو لا تزال مآسيها ماثلة في الأذهان، انّ ذلك يجعلنا نخشى ونقلق خاصة انّ هناك مؤشرات تدق ناقوس الخطر وتنذر بأنّ التدخل الخارجي بات أمراً مظنوناً مؤكداً او ملموساً واقعاً. وعندما يكتمل إمساكه بالأمر سيكون لبنان في محلّ آخر وسيتحوّل الشعب اللبناني الى أدوات ومواد إشعال الحرائق بيد الأجنبي خدمة لمخططات دولية وسننتظر قرار الأجنبي في الحلّ توقيتاً ومضموناً وهذا ما نراه اليوم في أكثر من دولة عربية ولذلك كان مشروعاً السؤال هل انّ لبنان التحق بما أسموه زوراً «الربيع العربي» الذي هو حقيقة حريق لبلاد العرب، ثم السؤال عن أيّ نموذج سيطبّق فيه من نماذج تلك الحرائق العربية من تونس الى العراق مروراً بليبيا ومصر واليمن والبحرين وسورية؟ ام سيكون حالة خاصة؟ ان من حقنا ان نسأل وان نقلق وان نحذر.

لكلّ ذلك فإنّ السعي الى الحلّ بات عملاً وطنياً ضرورياً لا يتقدّمه عمل، وبات الإسراع اليه أمراً ملحاً يوجب مقاربته بأقصى درجات الجدية، وهنا نرى انّ الحلّ المنشود يجب ان يستجيب لقواعد ومبادئ يفرضها المنطق السليم أهمّها التزام مبدأ انّ «من أفسد لعقود لا يمكن ان توكل إليه مهمة الإصلاح»، وانّ «من نهب المال العام لا يمكن ان يراهن على شهامته لإعادته»، وانّ «الإصلاح لا يمكن ان يتمّ وتستقرّ الأمور في ظلّ استمرار النظام او القوانين التي سمحت به»، إذ يجب ان يكون الإصلاح في ظلّ نظام وطني وعلى يد رجال يتولون السلطة يوحون بالثقة ولهذا نقترح… ومع قناعتنا المطلقة بأنّ الطرف الخارجي المحرك لما يجري لن يوقف تحركه ولن يقبل بتمرير الحلّ مهما كانت صيغته وسيقول دائماً «غير كاف» ويتدرّج الى هدف جديد لأنّ المطلوب من قبله الفوضى المتواصلة وشلّ البلاد ولمدة طويلة ومع ذلك ومن أجل سحب الذرائع، نقترح العمل تدرّجاً بما يلي:

أ ـ المرحلة الأولى اختبارية وتكون عبر المؤسسات القائمة بعد ترميم الحكومة وتعديلها والإسراع في تنفيذ الورقة الإصلاحية في المهل المحدّدة واتخاذ مهلة شهر من الآن مهلة لاختبار الجدية في التنفيذ الذي لا يبدو محلّ ثقة الجمهور وهو ما دفع حزب الله للتهديد بموقف حاسم حازم حيال المماطلة.

ب ـ المرحلة لثانية جذرية وتعتبر الحلّ الحقيقي الناجع وتعتمد فور التأكد من عرقلة الصيغة الأولى وتشمل:

1 ـ استقالة الحكومة الحاضرة بعد الاتفاق على تشكيل حكومة انتقالية متوسطة يمنع وجودها أيّ فراغ في السلطة ويسدّ الأبواب أمام الفوضى.

2 ـ تفويض مجلس النواب صلاحياته التشريعية للحكومة الانتقالية في مواضيع محدّدة أهمّها قانون انتخاب وطني جديد، وقوانين المساءلة ومحاربة الفساد، واستعادة المال المنهوب وكافة القوانين الضريبية والمالية وكلّ ما نصّ عليه من قوانين في الورقة الإصلاحية.

3 ـ تصدر الحكومة الانتقالية كافة ما يوكل إليها أمره من قوانين في مهلة أقصاها آخر السنة الجارية وتستعين لذلك بخبراء وسياسيين واختصاصين مناسبين.

4 ـ بعد صدور القوانيين تلك يحلّ مجلس النواب ويُصار إلى انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي ويشكل مجلس الشيوخ والهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية.

5 ـ تشكل بعد الانتخابات حكومة سياسية من الأكثرية النيابية وتتابع تطبيق القوانيين في سياق الإصلاح والمحاسبة.

انّ الإسراع في الحلّ هو في مصلحة الجميع إلا الخارج وعملائه، لأنه يختصر معاناة اللبنانيين، ويمنع تفشي أمراض اجتماعية ترافق عادة الحراكات الشعبية، كما يحول دون تدهور الوضع المالي والاقتصادي في لبنان، أما التسويف والمماطلة وعدم الاكتراث فإنها ستعقد الموضوع وترفع كلفة الحلّ وتفسح المجال أمام تدخل أكثر من يد أجنبية بدأت نذرها في الأفق وبدأ الحديث عن الفصل السابع وقرارات أخطر من القرار 1559، ولنتذكر انّ همّ أعداء لبنان هو إحداث فوضى تربك المقاومة وتقيّدها و…و… ورغم قوة المقاومة وصلابتها وقدرتها الأكيدة على حماية نفسها والدفاع عن سلاحها وعن لبنان، فإنها ليست مضطرة لبذل شيء مما لديها من أجل حماية نفسها وبيئتها وووطنها من خطر يمكن دفعه بسبل أهون…

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

اضف رد